في الثامن من سبتمبر الجاري مر خبر صغير في الصحافة المتخصصة الأمريكية، ولم ينتبه إليه كثيرون. سلاح الجو الأمريكي، أغنى سلاح جو في التاريخ، هبط أسطوله القتالي إلى 1,098 مقاتلة، أي أقل من الحد الأدنى الذي يفرضه القانون الأمريكي نفسه وهو 1,145 طائرة، والتقديرات تقول إن العدد سيستمر في النزول حتى عام 2030.
توقف معي هنا قليلا. الدولة التي تنفق على الدفاع أكثر من الدول العشر التالية لها مجتمعة، عاجزة عن توفير الحد الأدنى من المقاتلات الذي كتبه مشرعوها بأنفسهم. والسبب ليس سوء إدارة أو خطأ مسؤول، فهذه نتيجة معادلة كتبها مهندس أمريكي عام 1983، ووصف فيها بالضبط ما سيحدث بعد أربعين سنة.
الحرب، مثل أي نشاط بشري كبير، تخضع لقوانين حسابية، ومن يتجاهلها يخسر وهو يظن أنه يتقدم. وسأعرض عليك هنا أربع معادلات فقط، مع الدليل الذي يثبت كل واحدة منها في ميادين القتال اليوم.
في عام 1916، وبينما كانت أوروبا تحترق في الحرب العالمية الأولى، وضع المهندس البريطاني فريدريك لانشستر معادلات تصف ما يحدث حين يتبادل جيشان النار بأسلحة موجهة بعيدة المدى. وقبله بسنة كان الروسي أوسيبوف قد وصل إلى النتيجة نفسها.
خلاصة قانون لانشستر التربيعي في سطر واحد.
القوة القتالية = (العدد × العدد) × كفاءة الوحدة الواحدة.
انظر إلى عدم التماثل في هذه المعادلة. العدد يدخل فيها تربيعياً، بينما الجودة تدخل فيها خطيا. يعني أن مضاعفة عدد وحداتك تضاعف قوتك القتالية أربع مرات، بينما مضاعفة جودة كل وحدة تضاعف قوتك مرتين فقط.
يعني أن جيش يملك 100 وحدة وكفاءة كل وحدة فيها 1، قوته تساوي 100 × 100 × 1 = 10,000. وجيش آخر يملك 50 وحدة، لكن كل وحدة فيه بضعف الجودة، قوته تساوي 50 × 50 × 2 = 5,000.
النتيجة أن صاحب العدد الأكبر يملك ضعف القوة، رغم أن خصمه يملك ضعف الجودة في كل قطعة سلاح. ولكي يعوض صاحب الخمسين فارق العدد، لا يكفيه أن تكون وحدته أفضل مرتين، يحتاج أن تكون أفضل أربع مرات.
هذه المعادلة تشرح بالضبط لماذا تحولت جيوش العالم كلها في السنوات الأخيرة إلى عقيدة الغزارة العددية. ولماذا صار الجيش الأمريكي نفسه، الذي ما زال يبني محاكاته القتالية على صيغ معدلة من معادلات لانشستر، يعيد التفكير في مبدأ القطعة الواحدة الفاخرة. وقد طور باحثون مؤخرا نموذج لانشستر الممتد للمسيرات، وخرجوا بنتيجة تستحق أن تكتب على باب كل وزارة دفاع، وهي أن نتيجة الحرب المشبعة بالمسيرات يحددها عمق الإنتاج، أي سرعة تصنيع الأنظمة القابلة للاستهلاك، قبل المهارة التكتيكية وقبل حتى فارق الكلفة.
في عام 1983 نشر نورمان أوغستين، وهو مهندس ومسؤول دفاعي أمريكي رفيع، مجموعة قوانين ساخرة عن صناعة السلاح. وأشهرها القانون رقم 16، وهو يقول نصا إنه في عام 2054 ستشتري ميزانية الدفاع الأمريكية كلها طائرة مقاتلة واحدة، وسيتقاسمها سلاح الجو والبحرية ثلاثة أيام ونصف اليوم لكل منهما في الأسبوع، على أن تعطى لمشاة البحرية في اليوم الزائد من السنة الكبيسة.
الطرفة هنا غلاف لمعادلة قاسية. وهي أن كلفة المقاتلة الواحدة تنمو نموا أسيا، أي تتضاعف كل عدد ثابت من السنين. بينما ميزانية الدفاع تنمو نموا خطيا، أي تزيد بمقدار محدود كل سنة. وحين يتسابق خط يتضاعف مع خط يزيد بالتدريج، فالنتيجة معروفة سلفا. المنحنى الأول سيقطع الثاني في لحظة ما، وقبل أن يقطعه بسنوات طويلة يكون عدد ما تستطيع شراءه قد انهار.
ولا تقرأ هذا القانون كطرفة اقتصادية، فهو يشرح بالضبط لماذا يصل أغنى سلاح جو في التاريخ إلى ما دون الحد الأدنى القانوني لعدد مقاتلاته، ولماذا تشتري دول كاملة اليوم أربعا وعشرين مقاتلة بينما كانت تشتري مئة قبل ثلاثين سنة، ولماذا تصبح خسارة طائرة واحدة في معركة حدثا استراتيجيا يهز دولة.
هذه الظاهرة أسميها نزع السلاح الاختياري، لأن الجيش هنا ينزع سلاحه بنفسه، بدون معاهدة وبدون هزيمة، وهو يظن أنه يتطور.
في عام 1936 لاحظ المهندس الأمريكي تيودور رايت وهو يراقب مصانع الطائرات ظاهرة منتظمة، وصاغها في قانون يحمل اسمه.
كل مضاعفة للإنتاج التراكمي تخفض كلفة الوحدة بنسبة ثابتة، تقارب 20% في أغلب الصناعات.
يعني لو صنعت مئة وحدة ثم صنعت المئة الثانية، نزلت كلفة الوحدة الخمس. ولو وصلت إلى أربعمئة، نزلت الخمس مرة أخرى. والسبب بسيط، العامل يتقن عمله، والمصنع يعيد ترتيب خطوطه، والمورد يستثمر في قوالب أفضل لأنه واثق من استمرار الطلب.
وهذه النظرية تشرح بالضبط لماذا يكون سلاحك غاليا حتى لو صنعته بيدك. فمقاتلة F-35 نفسها نزلت كلفتها من أكثر من 200 مليون دولار في دفعات الإنتاج الأولى إلى نحو 80 مليونا بعد أن تراكمت الطلبيات والإنتاج بالتبعية. وفي المقابل، حين ينتج مصنع صواريخ ثاد الاعتراضية 11 صاروخا في السنة المالية الواحدة، فهو عمليا لا يتحرك على منحنى التعلم أصلا، ولهذا يبقى ثمن الصاروخ عند 12.7 مليون دولار مهما مر الزمن.
وانظر إلى الوجه الآخر من القانون نفسه، القذيفة الأوكرانية عيار 155 ملم يبلغ ثمنها نحو 2,500 يورو، بينما تصل القذيفة الفرنسية أو النرويجية إلى 8,000 يورو. الفارق ليس في المعدن ولا في الكيمياء، الفارق في عدد القذائف التي أنتجها كل خط.
ومن هنا تفهم لماذا صار البنتاغون يوقع عقودا مدتها سبع سنوات، ولماذا وقعت بولندا اتفاقا إطاريا على نحو 1,400 مركبة قتال مشاة دفعة واحدة. الدولة التي تضمن للمصنع طلبا طويلا تشتري السلاح نفسه بثمن أقل، والدولة التي تشتري دفعات صغيرة متفرقة تدفع ثمن جهلها بمنحنى التعلم.
هذه المعادلة هي الأبسط والأخطر في آن واحد.
نسبة تبادل الكلفة = كلفة ما تنفقه للدفاع، مقسومة على كلفة ما ينفقه خصمك للهجوم.
لو كانت النسبة أكبر من واحد، فأنت تخسر اقتصاديا في كل اشتباك حتى لو ربحته عسكريا. ولو كانت أقل من واحد، فأنت تستنزف خصمك في كل مرة يهاجمك فيها.
طبق المعادلة على البحر الأحمر. صاروخ SM-2 ثمنه 2.1 مليون دولار، والمسيرة التي يعترضها يبدأ ثمنها من ألفي دولار ولا يتجاوز في أغلب الحالات عشرين ألفا. النسبة إذن تتراوح بين مئة إلى واحد وألف إلى واحد. وقد أطلقت البحرية الأمريكية أكثر من مئتي صاروخ اعتراضي في خمسة عشر شهرا بهذا المنطق.
ثم طبقها على الحلول الجديدة. صاروخ APKWS الموجه بالليزر ثمنه 35 ألف دولار، فالنسبة تنزل إلى أقل من اثنين إلى واحد. ومدفع جيبارد الألماني يسقط المسيرة بقذائف ثمنها ما بين 300 وألف دولار، فتنقلب النسبة تماما وتصبح أقل من واحد، يعني أن المدافع صار هو الذي يستنزف المهاجم.
وهذه العملية الحسابية البسيطة تفسر بالضبط لماذا وصفت البحرية الأمريكية معادلتها في البحر الأحمر بأنها غير مستدامة، ولماذا تتسابق الجيوش كلها اليوم على الليزر والمدفعية الموجهة والمسيرات الاعتراضية. فالحرب الحديثة لا تسأل من أسقط الهدف، لكنها تسأل بكم أسقطه.
ضع القوانين الأربعة بجوار بعضها، وستجد أنها كلها تشير إلى الاتجاه نفسه. لانشستر يقول إن العدد يضاعف قوتك أسرع من الجودة. وأوغستين يقول إن مطاردة الجودة تلتهم العدد. ورايت يقول إن العدد الكبير هو الذي يخفض ثمن الوحدة. ونسبة تبادل الكلفة تقول إن من يقاتل بأدوات غالية ضد أدوات رخيصة يخسر ولو انتصر في كل اشتباك.
والخلاصة التي تجمعها هي ما أسميه الحجم الإنتاجي السهل، قوة كافية الأداء، وفيرة العدد، مستدامة الكلفة، وقابلة للإنتاج محليا. يعني أن سلاح كافي ووفير يهزم سلاح مثالي ونادر.
الجواب، لا. وهنا تحديدا يخطئ كثيرون ممن يقرؤون هذه المعادلات قراءة سطحية فيخرجون بشعار أن الرخيص أفضل دائما.
ارجع إلى معادلة لانشستر وانظر إلى شرطها الخفي. هي تفترض أن الجيشين يتبادلان النار بالكامل، وأن كل وحدة ترى خصمها وتطلق عليه. لكن ماذا لو رأيت خصمك قبل أن يراك، وضربت جزءا من قوته قبل أن يطلق طلقة واحدة؟
عندها تكون قد غيرت قيمة العدد نفسه قبل أن تبدأ المعركة، وهذا أثمن ما تشتريه التكنولوجيا اليوم.
بمعنى آخر، القيمة الحقيقية للتفوق التقني في عصرنا انتقلت من المنصة إلى الاستطلاع والاتصال وإدارة المعركة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، لأن هذه هي الأدوات التي تعدل العدد لصالحك. أما رفع ثمن الطائرة الواحدة بنسبة خمسين بالمئة مقابل تحسين هامشي في الأداء، فهو دخول طوعي في معادلة أوغستين.
ثلاث نتائج عملية تخرج من هذه المعادلات مباشرة. الأولى أن كل قرار شراء هو قرار في معادلة تربع العدد. الدولة التي تشتري أربعا وعشرين منصة فاخرة تدخل المعركة بعدد 24، مهما كانت هذه المنصات مبهرة في العرض العسكري.
والثانية أن الميزانية التي تضاعف الإنتاج التراكمي أثمن من الميزانية التي تشتري الأحدث. فالأولى تشتري لك سعرا أقل وقدرة على التعويض، والثانية تشتري لك صورة.
والثالثة أن أي منظومة دفاع تبنيها يجب أن تحسب لها نسبة تبادل الكلفة قبل أن تشتريها. فإن كانت النسبة ضدك، فأنت تشتري هزيمة اقتصادية مؤجلة، مهما كانت نسبة إصابتها المعلنة عالية.
لكل ما سبق، سأختم هذا المقال بهذه الجملة: قوانين الحرب لا تعاقب من يملك سلاحا أقل تطورا، بل من يبني قوته وهو لا يعرف المعادلات التي ستحكم استخدامها.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع