info@archon-defense.com
آركون

الجيش المصري بلا ميزانية… والدولة بلا إجابة

23 ديسمبر 2025
516 المشاهدات
5 دقيقة/دقائق للقراءة

أصدر معهد SIPRI – الذي يترأسه الدبلوماسي المصري كريم حجاج، المحاضر بالجامعة الأمريكية في القاهرة – ورقة بحثية بعنوان «فهم الإنفاق العسكري المصري» سنة 2020، تغطي الفترة بين عامي 2010 و2019. وما يميز هذه الورقة أنها ليست مجرد جداول وأرقام، بل تحقيق استقصائي يحاول تفكيك بنود الإنفاق الرسمي تحت عنوان الدفاع والأمن القومي.

حين قرأت هذه الدراسة، خطر في ذهني سؤال أتحدى أي مواطن مصري أن يجيب عنه: من أين نُموّل صفقات التسليح؟ كم دفعنا؟ وكم سنسدد بفوائد؟ وعلى كم سنة؟ وهل الأرقام المعلنة في تلك الصفقات هي الفعلية، أم أنها أدنى بكثير مما دُفع فعليًا؟

لنفهم المشكلة – أو الكارثة – لا بد أن ننظر إلى الأرقام خطوة بخطوة.
تمتلك مصر أكبر جيش في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد بلغ عدد أفراده النشطين عام 2019 نحو 439 ألف جندي، وهو رقم ضخم. كما تحتفظ البلاد بمخزون كبير من الأسلحة، وتنفذ عمليات مستمرة خاصة في شمال سيناء.

وخلال الفترة من 2010 إلى 2019، أبرمت مصر 75 صفقة سلاح مع 15 دولة، تسلمت 67 منها بالفعل، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما تحقق في العقد السابق الذي لم يتجاوز 23 صفقة.
أما عن أبرز المشتريات: طائرات رافال (24 طائرة بصواريخها)، ومنظومات S-300، وطائرات ميج-29، وفرقاطات FREMM، وغواصات ألمانية Gowind، وفي عام 2019 طائرات سوخوي-35، وفرقاطات ميكو A-200، ومروحيات AW-149.

بلغت التكلفة الإجمالية نحو 16 مليار دولار. وحتى لو افترضنا أن نصفها قروض، فهذا يعني أن ما دُفع فعليًا نحو 8 مليارات دولار خلال خمس سنوات، أي ما يعادل 1.6 مليار دولار سنويًا، وهو تقريبًا 40٪ من ميزانية الدفاع الرسمية، دون احتساب بند الرواتب والتشغيل والصيانة الذي يستهلك بدوره مليارات. بينما تُعلن وزارة المالية أن متوسط الإنفاق العسكري لا يتجاوز 3.8 مليار دولار سنويًا.

فكيف يمكن أن نشتري كل هذه الأسلحة بينما الأرقام المعلنة أقل بكثير؟ هذا الإنفاق الرسمي بالكاد يغطي المرتبات والتشغيل والصيانة. ففي عام 2019، كانت مصر التاسعة بين 14 دولة في المنطقة من حيث الإنفاق العسكري؛ إذ أنفقت السعودية نحو 62 مليارًا، وتركيا وإسرائيل قرابة 20 مليارًا، وإيران 13 مليارًا فقط.
نسبتنا من الناتج المحلي هي 1.2٪، وهي الأدنى في المنطقة، بينما يبلغ المتوسط الإقليمي 4.4٪. كما أن نسبة الإنفاق العسكري من الإنفاق الحكومي لا تتجاوز 4.2٪. صحيح أن الرقم بالجنيه المصري ارتفع من 25.4 إلى 66.3 مليار جنيه، لكن بعد احتساب التضخم، يتضح أن الإنفاق الحقيقي انخفض بنحو 18٪، رغم زيادة الرواتب أكثر من مرة، مع العلم أن نحو 60٪ من الإنفاق العسكري يذهب إلى الأجور، والباقي لتشغيل وصيانة ومشتريات.

وهنا السؤال الذي لا يملك أحد إجابته: كيف تمكّنا من شراء كل ذلك؟ وكيف زادت المرتبات بينما الإنفاق الرسمي يتراجع؟

توضح الورقة أمرًا يعرفه الجميع: أن الجيش في مصر لم يعد مؤسسة عسكرية فقط، بل أصبح إمبراطورية اقتصادية ضخمة تدير مشروعات كبرى – من قناة السويس إلى العاصمة الإدارية والطرق والأراضي والشركات – وتحقق إيرادات هائلة.
وقد صرّح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن عائدات هذه الأنشطة تبلغ ما بين 1.5 و2٪ من الناتج المحلي، أي نحو 324 مليار جنيه عام 2019.

لكن، أين تذهب هذه الأموال؟
وفقًا للورقة، تُودَع هذه الإيرادات في حسابات خاصة تخضع لإشراف الرئاسة مباشرة، ولا تقع تحت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات ولا البرلمان، ولا تتوفر عنها أي بيانات علنية.

وبالتالي، إذا كانت صفقة مثل “الرافال” قيمتها المعلنة 5.2 مليار دولار، فإننا لا نعرف التكلفة الفعلية بدقة — ربما 6 أو 7 مليارات — ولا مصدر التمويل الحقيقي: هل من أرباح مؤسسات الجيش؟ أو من دعم خارجي؟ أو من قروض؟ لا أحد يعرف شيئًا.
هذا يعني ببساطة أننا شعب يعيش في دولة لا يعرف من أين يأتي ماله، ولا كيف يُنفق. الأموال تُجمع من مشروعات تابعة للدولة، حقها الطبيعي أن تعود إلى خزانتها لا إلى حسابات خارج رقابتها.

تتساءل الورقة أيضًا: هل يمكن أن بعض الصفقات، مثل صفقة الميسترال أو الفرقاطة الألمانية، كانت ممولة من دول الخليج؟ لا يوجد دليل قاطع، بل مجرد تصريحات عامة للرئيس تشير إلى أن الجيش يشتري من “احتياطي خاص”، لكن لا وجود لأي وثائق تثبت ذلك. وحتى لو صدّقنا هذا التبرير، لا أحد يعلم هل دخلت عمولات في هذه الصفقات؟ وإن كانت موجودة، فلمن كانت تُدفع؟

القضية إذًا ليست مجرد غموض مالي أو صفقات مجهولة التمويل، بل نموذج اقتصادي كامل يعيد رسم العلاقة بين الجيش والدولة والشعب. فعندما يكون الإنفاق العسكري خارج نطاق الرقابة، لا يكون الغموض ماليًا فقط، بل مؤسسيًا أيضًا — إذ يتحول مصدر القرار من مؤسسات الدولة إلى أشخاص غير خاضعين لأي رقابة أو محاسبة.

وهنا جوهر الخطر:
هذا المقال لا يشكّك في وطنية الجيش أو وزارة الدفاع، بل يحذر من تهديد خطير للجميع — لأنه يكرّس اقتصادًا موازيًا داخل الدولة، يحقق مكاسب لا يُعرف حجمها، وينفق أموالًا لا يُعرف مصيرها، من دون علم وزارة المالية أو البرلمان أو أي جهاز رقابي في الدولة.

القضية ليست مشاركة معلومات مع جهة خارجية، بل غياب التنسيق بين أجهزة الدولة نفسها.
لقد أصبح هناك انفصال تام بين الدولة كمؤسسات مدنية (مفترض أنها مدنية) وبين الجيش ككيان اقتصادي ضخم يملك موارد يُفترض أنها عامة.

هذا الوضع يشوّه توزيع الموارد على مستوى البلاد، لأن الإنفاق الدفاعي حين يتحوّل إلى صندوق أسود، فإنه يسحب التمويل من القطاعات المدنية الحيوية كالتعليم والصحة والبحث العلمي — وهي الأسس الحقيقية لبناء الأمن القومي.
وحين لا يسأل أحد عن هذه المفارقة، نكون أمام كارثة غير منظورة.

تخلص الورقة إلى نتيجة واضحة: الخطر الحقيقي على الأمن القومي لا يأتي من ضعف التمويل، بل من غياب الشفافية، لأنك حين ترفع الشفافية من المعادلة، تفقد الدولة القدرة على معرفة الرقم الحقيقي، أو تطوير السياسات، أو محاسبة المسؤولين، أو حتى التخطيط بواقعية للمستقبل.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع