قال الاقتصادي الأمريكي Jeffrey Sachs منذ أسابيع عن تركيا: "هذا تطور غير مسبوق في تاريخ الناتو. لم يصل أي عضو في الناتو—وهو داخل الحلف—إلى هذا المستوى من الاستقلالية في الصناعة الدفاعية."
وأشار في نفس السياق إلى: "لم يعودوا معتمدين على نقل التكنولوجيا من أعضاء الناتو الآخرين."
الكثير من الناس حتى المتخصصين يظهرون في الإعلام الرسمي.. يتحدثون بأن لا يجوز مقارنة مصر بتركيا لأن وجود تركيا في الناتو ساعد صناعاتها الدفاعية..
هذا الكلام سطحي جداً.. ويمكن الرد عليه سريعاً ثم نتناول إيجابيات وسلبيات الناتو على الصناعات الدفاعية التركية.. ونرى هل وجودها في الناتو ساعدها أم عرقلها..
سريعاً أقول إن الحجة دي حجةٌ كسولة ومضللة.. مصر مصنفة كحليف أساسي للناتو.. وكوريا الجنوبية ليست ضمن الناتو ورغم ذلك تتطوّر صناعاتها الدفاعية بشكل سريع.. وفيه مقال كتبتُه عن كوريا الجنوبية سابقاً.. هذا إلى جانب أن السردية هذه تريح.. تشعر الناس بأن المشكلة ليست فينا نحن.. المشكلة خارجية..
ننتقل إلى تركيا..
سردية أن الناتو السبب تصلح إذا كنا نعيش في خمسينيات وستينيات القرن الماضيين.. حين أخذت تركيا أسلحة غربية كثيرة بمبدأ ترومان وخطة مارشال.. ولكن حتى هذا السلاح كان نقطة ضعف كبيرة بعدها.. لأن في ذلك الوقت كانت لدى تركيا مشاكل أمن قومي مع اليونان في قبرص.. أرسل رئيس الولايات المتحدة آنذاك جونسون رسالة شديدة اللهجة لرئيس الوزراء التركي عصمت إينونو حذره فيها من أن الأسلحة المورّدة إلى تركيا عن طريق الناتو وأميركا لا يجوز استخدامها دون موافقة الحلف.. وفعلاً في ذلك الوقت لم تستطع تركيا دخول قبرص إلا بعد عشر سنوات كاملة..
الناتو لا يمنح أي دولة تكنولوجيا سيادية مجاناً، فالناتو ببساطة يقدم أربع فوائد رئيسية:
المعايير والتشغيل المشترك (وهي نقطة مهمة جداً، ويعاني منها الشرق الأوسط، وسأتحدث عنها بالتفصيل لاحقاً).
قنوات المشتريات والتعاون الصناعي.
التدريب والتكتيكات والخبرة التشغيلية.
أسواق مفتوحة ولكن بشكل غير مباشر؛ أي يمكنك كدولة غير عضو في الناتو أن تدخل تلك الأسواق مثل غيرك، ولكن وجودك داخل الناتو يجعل معايير منتجاتك متوافقة مع الناتو، وبالتالي يصبح من الأسهل أن تبيع.
لكن الناتو لا ينقل التكنولوجيا الحساسة، كما أنه يقيّد الحرية السياسية في استخدام الأسلحة وتصديرها، حتى وإن كانت تلك الأسلحة مُصنَّعة محلياً.
ولو كانت عضوية الناتو سبباً في تطور تلقائي، لما شهدنا حظر السلاح الأمريكي عام 1975 بعد حرب قبرص، إذ فرض الكونغرس الأمريكي حينها حظراً كاملاً على السلاح تجاه تركيا، وعانت تركيا في تلك الفترة من نقص حاد في الإمدادات اللوجستية وقطع الغيار والذخيرة.
وبالمناسبة، ذكرت سابقاً أن ذلك كان درساً مهماً لتركيا، إذ بدأت منذ ذلك الوقت تدرك أن الاعتماد على الموردين الغربيين يشكل خطراً وجودياً عليها، وبدأت تتجه نحو تطوير قدرات محلية في الصناعات الدفاعية.
ولو كان الناتو هو السبب في تطور تركيا في الصناعات الدفاعية، لما رأينا تركيا تُستبعَد من برنامج المقاتلة F-35، ولما واجهت صعوبة في الحصول على منظومة S-400 بسبب وجودها في الناتو.
هنا من المهم أن نقسّم تطور الصناعات الدفاعية التركية إلى ثلاث مراحل بسيطة حتى تتضح الصورة:
الفترة الأولى هي فترة التأسيس. لقد كان حظر السلاح بعد حرب قبرص لحظة التأسيس الحقيقية للصناعات الدفاعية التركية. أدرك الجيش التركي حينها أن دبابةً بلا قطع غيار ليست سوى كتلة من الحديد، وأن طائرةً بلا دعم لوجستي ليست إلا قطعة غالية من الخردة معلّقة في السماء.
من هنا وُلدت الفكرة: لن نتمكن من الاستمرار معتمدين على الأمريكيين والأوروبيين في كل مسمار وخرطوم هيدروليك.
في أواخر السبعينيات والثمانينيات بدأوا بوضع الأعمدة الرئيسية لما نراه اليوم:
تأسست شركة أسيلسان للإلكترونيات الدفاعية كذراع محلي يتولى ملف الرادارات وأجهزة الاتصال.
ثم تأسست TAI كمظلّة للصناعات الجوية، في البداية ضمن شراكات مرخّصة مع الغرب، لكن مع مرور الوقت أصبحت تمتلك قدرة حقيقية على التصميم والتطوير.
وظهرت بعد ذلك شركتا روكيتسان للصواريخ وهافلسان للبرمجيات والأنظمة.
أي إن ما نراه اليوم من شركات تركية كبرى لم يهبط من السماء عام 2015 مع ظهور الطائرة TB2، بل إن جزءاً كبيراً منه وُلد كردّ فعل مباشر على حظر السلاح في السبعينيات، حين حاول الجيش التركي التحرّر من القيود المفروضة عليه ومن كون قراره مرهوناً بموافقة الكونغرس.
ثم جاءت الثمانينيات والتسعينيات لتشكّل المرحلة الثانية، وهي مرحلة "نتعلّم من الغرب ولكن داخل صناعتنا المحلية". لم يكن الهدف مقاطعة الغرب، بل استخدامه كأداة للتعليم والتسريع، ولكن على أرضنا وبشروطنا نحن.
كيف حدث ذلك؟
لقد دخلت تركيا في برامج إنتاج مشترك وترخيص. وأهم مثال على ذلك هو مشروع تصنيع الطائرة F-16 محلياً في شركة TAI في أواخر الثمانينيات. هذا المشروع لم يكن تجميعاً فقط، بل كان يعني ثلاث أمور أساسية:
وجود خطوط إنتاج داخل تركيا.
آلاف المهندسين والفنيين الأتراك يحتكون يومياً بتكنولوجيا طيران حديثة.
تراكم خبرة يتيح لك لاحقاً أن تفكر وتقول: لماذا لا أصنع مقاتلة محلية؟
وقد تأسست على خلفية خطوط الإنتاج تلك شركة TEI بالشراكة مع جنرال إلكتريك لتجميع وتصنيع أجزاء من محركات الطائرات داخل تركيا، وهو مجال شديد الحساسية لا يفتحه الغرب بسهولة.
في تلك الفترة تغيّرت طريقة التسليح نفسها؛ فبدلاً من أن تشتري منتجاً جاهزاً، أصبحت تشتري وتنقل التقنية ثم تصنع محلياً تصنيعاً جزئياً.
أي إن الناتو هنا لم يكن يمنح تركيا التكنولوجيا على طبق من ذهب، ولكن وجودها كحليف مهم في الجناح الجنوبي للحلف منحها ورقة ضغط لتقول: أريد جزءاً من الكعكة، لن أظل زبوناً للأبد.
وهنا نتحدث عن إرادة سياسية لا منحة من الناتو.
ومع نهاية التسعينيات كانت تركيا لا تزال تعتمد على الغرب في كثير من الأمور، لكنها أصبحت تمتلك:
شركات تعمل بفاعلية.
مهندسين اكتسبوا خبرة حقيقية.
خطوط إنتاج فعّالة.
وعقلاً للدولة بدأ يفهم معنى أن تكون هناك قاعدة صناعية دفاعية، لا مجرد مخزن للسلاح المستورد.
المرحلة الثالثة هي ما بعد عام 2000، ويمكن أن نسمّيها مرحلة الاكتفاء النسبي.
في ذلك الوقت أعلنت الدولة: نحن نريد أن ننطلق من ما نملكه حالياً نحو مشروع استقلال دفاعي حقيقي.
ومنذ عام 2004 تقريباً بدأت تُتَّخذ قرارات مهمة، من أبرزها:
إلغاء صفقات الاستيراد الجاهزة.
تحويل جزء كبير منها إلى مشاريع تطوير محلية.
رفع شعار التكنولوجيا الوطنية.
ضخّ استثمارات كبيرة في مجال البحث والتطوير بدلاً من توجيه الأموال كلها إلى الشراء الجاهز.
نتيجة هذه المراحل أنه بعد عشرين سنة من بداية المرحلة الثالثة أصبحت لدى تركيا منظومات محلية في كل المجالات تقريباً: مركبات مدرعة، وسفن، وطائرات مُسيّرة، وصواريخ كروز، ومشاريع دبابة وطنية، ومروحيات هجومية، وفرقاطات، وحاملة للمسيّرات.
وقد بلغت نسبة تلبية احتياجات الجيش من الصناعة المحلية أكثر من 70%، وهذا يعني أن الاعتماد على الإنتاج المحلي أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء.
وإذا تأملنا هذه المراحل سنفهم أن الناتو لم يكن يمنح تركيا التكنولوجيا، بل إن الحظر والضغوط والقيود هي ما دفعت تركيا إلى اتخاذ قرارٍ يحتاج إلى إرادة سياسية قوية لبناء صناعاتها الدفاعية محلياً.
والحقيقة أن تركيا حتى اليوم ما زالت تحاول حلّ وفكّ المشكلات المفروضة عليها والتي تعطل صناعاتها الدفاعية، مثل المحركات النفاثة، والدبابات، وبعض الإلكترونيات الحرجة، ومنظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى. فالعقوبات التي فُرضت على تركيا كانت أكثر بكثير من الفرص التي فُتحت لها بسبب وجودها في الناتو، خاصة إذا علمنا أن تركيا تواجه مشكلات حقيقية في دخول السوق الأوروبي.
وإذا نظرنا إلى مصر، فسنجد أنها تمتلك قاعدة صناعية دفاعية معتبرة، ومصانع وخبرة ممتدة منذ عام 1975. وهناك وثائق قديمة، مثل مقال كُتب عام 1983 للكاتب James Paul على موقع MERIP، يذكر فيه أن الصناعة الحربية المصرية في ذلك الوقت كانت تنتج بعض الأسلحة الخفيفة والسفن البحرية الصغيرة لصالح الجيش، وأن مصر كانت مشترياً نشطاً للسلاح.
الفرق الجوهري هو أن القضية لا تتعلق بطرف خارجي سيسمح لك بامتلاك تكنولوجيا سيادية، بل بالسؤال: هل مشترياتك موجّهة لبناء قدرات محلية قابلة للتصدير؟
هل هناك منظومة تمويل أبحاث وتطوير (R&D) فعّالة؟
هل توجد شفافية ومنافسة حقيقية تُنتج جودةً تنافسية؟
هل ترتبط الصناعة لديك بالشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال سلاسل الإمداد العالمية؟
وهل هناك أصلاً جهة أو مؤسسة في مصر تفكر في هذه القضايا وتضع سياسات لتغيير الواقع الحالي؟
كوريا الجنوبية، التي بنت واحدة من أقوى الصناعات الدفاعية في العالم، كانت خاضعة لقيود أمريكية على الصواريخ لسنوات طويلة، ولم تُرفع هذه القيود إلا عام 2021. ومع ذلك، استطاعت بناء قدرات محلية في التصنيع، بل وفي مكونات الصواريخ نفسها، رغم القيود الأمريكية المفروضة عليها.
تركيا باختصار لم تتقدم لأنها عضو في الناتو، بل لأنها تعاملت مع السلاح كمشروع دولة صناعي تصديري. وكوريا الجنوبية كذلك تعاملت مع هذه الصناعة باعتبارها صناعة تكنولوجية تصديرية. وجود تركيا في الناتو فتح أمامها بعض الأبواب، لكنه في الوقت نفسه أغلق في وجهها أبواباً أخرى أكثر أهمية وحساسية.
أما في مصر، وللأسف، فنحن بارعون في البحث عن الحجج التي تبرر تخلفنا في هذه الصناعة، بدلاً من البحث عن أسباب التخلف نفسها ومحاولة حلّها.. تماماً مثل حجة الطالب الكسول الذي يلوم السبّورة على فشله.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع