دعونا ننظر إلى الدستور المصري نفسه… وبعض الأمثلة من حولنا… لنحاول فهم أسطورة “نحن لا نذكر الأرقام حتى لا يعرف العدو خططنا” هل هي صحيحة أم خطأ… حتى لو كنا نتحدث عن عدو نشتري منه أسلحتنا نفسها… ونحن نضع أمننا القومي في الطاقة بين يديه…
عندما نقول إن الشفافية تهدد الأمن القومي فذلك كلام يبدو لطيفاً… لكن في الحقيقة الشفافية هي التي تحمي الأمن، وليست العكس… عندما يكون الشعب والمؤسسات في البلد على علم بوجهة المال إلى أين يذهب… وإذا وُجد محاسبة حقيقية… سيمنع ذلك الفساد داخل المؤسسة التي يفترض بها أن تكون خط الدفاع الأول عن الدولة… يعني بعقلية بسيطة… إذا كان الجيش يصرف بشكل صحيح ويعمل لمصلحة البلد… فلماذا يخاف من الشفافية… السر يكمن في أن السرية تخدم الفاسد وليس البلد…
الرئيس عبدالفتاح السيسي، في أول تعديل للدستور عام 2014، أضاف مادة مريبة للدستور… المادة 203 التي تقول: “المجلس الأعلى للدفاع الوطني، برئاسة رئيس الجمهورية، يتولى مناقشة ميزانية القوات المسلحة، وتُدرج الميزانية في الموازنة العامة للدولة كبند واحد”.
عبارة “بند واحد” تعني أننا سنعطيك رقماً… وأنت أيها الشعب، من موارد دولتك لا يجوز لك أن تسأل… وقد ذكرت في مقالات سابقة أن هذا الرقم في الحسابات غير صحيح… هناك ميزانية مخفية تماماً داخل الدولة لا يعرف أحد من أين تأتي ولا إلى أين تذهب… فعند شراء سلاح بمليار ونصف مثلا مُعلن رسمياً، لا يعرف أحد إذا كان هذا المليار الإضافي قد خرج من ميزانية الجيش كعمولات أو غيرها… وإذا خرج، من الذي أخذ هذا المليار…
كان لدينا القانون رقم 89/1998 الذي عُدل في سنة 2016 ويقول: “يعطي الجيش الأولوية الأولى في جميع العقود الحكومية بموجب الإسناد المباشر”… ومرسوم في 2020 بنقل إدارة أراضي النيل (90 ألف فدان) من وزارة الري إلى الجيش… ومرسوم رقم 18 لسنة 2022 الذي منح الجيش 36 جزيرة في النيل… ومرسوم 2023 الذي خصّص 938 ألف فدان لمنظمة تابعة للقوة الجوية…
كل هذه القوانين وُضعت لحماية المسؤولين من كشف الفساد، ومنع المحاسبة الحقيقية، ومنع السؤال حول من استفاد من هذه الأموال وكيف صُرفت وعلى ماذا أُنفقت، وليس لحماية الأمن القومي أو السرية العسكرية كما يُقال.
وفي القانون رقم 182 الوارد في دستور عام 2018، نَصَّ على أن “يُسمح لوزارة الدفاع بإجراء جميع المشتريات عبر عطاءات محدودة أو تعاقد مباشر من غير عملية مناقصة تنافسية”، أي بمعنى آخر: لا توجد مقارنة أسعار، ولا شفافية، ولا إعلان عن وجود رشاوى أو فساد، ولا حتى معرفة أو نقاش حول ما إذا كانت الشركة التي حصلت على المناقصة هي الأفضل فعلاً، أم أن هناك شركات أخرى أكثر كفاءة لم تدخل المنافسة لأسباب تتعلق بالمصالح مع الجهة التي رست عليها المناقصة.
عندما تسمح القوانين بالتعاقد المباشر من غير منافسة، فذلك يعني أنك فتحت الباب أمام الشللية والعلاقات الشخصية والصفقات التي تُبرم لخدمة المصالح الفردية، لا من أجل مصلحة الدولة. ولهذا لا تتطور الصناعات المحلية، لأن من يحصل على العقود ليس الأكفأ، بل الأقرب إلى أصحاب النفوذ والمصالح الخاصة. وهذا هو السبب الذي يجعل المشاريع العسكرية أو المدنية التي يُديرها الجيش غير خاضعة لمنافسة حقيقية أو لرقابة مالية جادة.
وزارة الخارجية الأمريكية ذكرت في تقريرها عن الشفافية لعام 2024 أن مصر تُصدر بيانات مالية يُمكن الاعتماد عليها، لكن عندما يصل الأمر إلى المؤسسات العسكرية والأمنية، فإن لا مؤسسات الدولة ولا البرلمان لديهم معرفة أو اطلاع على ميزانيات تلك المؤسسات.
اللواء محمود خلف قال في أواخر عام 2013 إن “ميزانية القوات المسلحة سر من الأسرار العليا لأي دولة”، وبعده صرّح اللواء حسام سويلم أن مناقشة ميزانية الجيش علناً “يهدد الأمن القومي”، وأضاف أنه “لا توجد دولة في العالم تناقش ميزانية جيشها على الهواء مباشرة”.
وهذا الكلام غير صحيح إطلاقاً، والسبب في ذلك بسيط. فإسرائيل نفسها، على الرغم من كونها في حالة حرب مفتوحة مع أربع دول في المنطقة، والعالم كله يتربص بها، وتتعرض عاصمتها للصواريخ حتى اليوم، أعلنت أن الإنفاق الدفاعي لعام 2026 سيزداد بقيمة 42 مليار شيكل. كما أن الكنيست الإسرائيلي صوّت على هذه الزيادة علناً، وخلال الجلسة تمت مناقشة تفاصيل الزيادة، التي بلغت في النهاية 30.8 مليار شيكل.
كوريا الجنوبية عدوٌّ أزليٌّ لكوريا الشمالية، ودولةٌ جارتها عدوٌّ مجنون يمتلك سلاحاً نووياً، ومع ذلك من المعروف أن الإنفاق الدفاعي زاد عام 2025 بنسبة 7.5٪ ليصل إلى 44.8 مليار دولار، وقد تم الإعلان عن هذه الميزانية في مؤتمر صحفي علني أمام الجميع.
أما أوكرانيا، التي تخوض حرباً منذ ثلاث سنوات مع روسيا، فالعالم كله يعلم أنه في شهر أكتوبر من عام 2025 تم تعديل ميزانيتها ورفع الإنفاق الدفاعي ليصل إلى نحو 70.86 مليار دولار، واضطر وزير المالية الأوكراني لتبرير هذه الزيادة أمام البرلمان موضحاً أنها ضرورة لمواجهة روسيا. ونحن نتحدث هنا عن بلد في حالة حرب حقيقية، ومع من؟ مع روسيا نفسها.
ألمانيا، التي كانت الطائرات المسيَّرة الروسية تحلِّق فوق مدنها أكثر من مرة خلال عام 2025، تُعلن ميزانيتها بشكل واضح وشفاف. والصين، التي تخوض حرب تكسير عظام مع الولايات المتحدة، تعلن أرقام ميزانيتها أيضاً. ويمكنني أن أعدد لك أمثلة من هذا النوع حتى الغد.
فإذا كان هناك سبب لعدم نشر معلومات الميزانية، فإن آخر سبب يمكن أن يُذكر هو “الأمن القومي”، لأن في كل دولة في العالم، الجيش خاضع للمحاسبة والمساءلة، دون أن يُسبب ذلك أي ضرر بأمنها القومي. فهذه المعلومات، بطبيعتها، يمكن معرفتها بسهولة من خلال برامج التدريب، والمناورات العسكرية، وعمليات الشراء العسكري، وبالتالي فهي ليست خافية على الأعداء بأي شكل. لكنها في الحقيقة مخفية عمداً عن الشعب، حتى لا يسأل أحد من أين تأتي هذه الأموال وعلى ماذا تُصرف.
تخيَّل مثلاً لو اكتشفت أن هناك إيرادات من شركة معينة تحتكر إنتاج لبن الأطفال بقيمة مليار جنيه، ومن هذا المبلغ صُرف نحو 700 مليون لصالح قيادات هذه الشركة، بينما العاملون فيها من المجندين لا يتجاوز راتب الواحد منهم 900 جنيه في الشهر!
أو تخيَّل لو علمت أن إيرادات الجيش مثلاً تبلغ 100 مليار، ولم يُنفق منها سوى 10 مليارات فقط على التسليح؟ وبالمناسبة، كنت قد أوضحت في منشور سابق أن مصر تُعَدّ من أقل دول المنطقة إنفاقاً على التسليح.
أو إذا عرفنا أن نسبة الإنفاق على مشاريع البحث والتطوير والتكنولوجيا لا تتجاوز 10 ملايين دولار فقط، فكيف سنُصدق بعد ذلك من يزعمون أننا نبني صناعات دفاعية محلية متطورة؟
ما لا يُعلنه الجيش ليس مقدار ما يُنفقه على التسليح، فذلك الرقم معروف وواضح للجميع، إذ بلغ نحو 16 مليار دولار خلال الفترة من 2010 إلى 2019. لكن ما لا يُعلَن هو حجم إيراداته القادمة من الشركات المدنية والمصانع ومحطات الوقود والفنادق وغيرها من الأنشطة الاقتصادية.
الولايات المتحدة تقدّم معونة سنوية للجيش المصري تبلغ 1.3 مليار دولار، ويُعرف تماماً إلى أين تذهب هذه الأموال، لأن تلك معلومات مُقدمة للخارج. لكن حين يتعلق الأمر بالداخل… فليس من حق أحد أن يسأل أو يعرف.
ولماذا لا تُعلن مصر عن هذه الميزانية؟
السبب ببساطة أن هناك إمبراطورية اقتصادية ضخمة لا تخضع لأي رقابة حقيقية. فهناك أكثر من سبعين شركة عسكرية تعمل في مجالات مدنية داخل مصر. والمفارقة المضحكة أن مصر تعهّدت لصندوق النقد الدولي بتقليل عدد هذه الشركات مقابل الحصول على قرض. أي أن المسألة لا تتعلق بالأمن القومي كما يُقال، بل تتعلق بمن نسمع له ومن نحترم قراره… الشعب أم صندوق النقد الدولي؟
قد يقول البعض: نحن نثق في القوات المسلحة. لكن أظن أن الجميع يتذكر ما حدث عام 2016 حين أُقيل المستشار هشام جنينة بعد أن كشف عن وقائع فساد بلغت قيمتها 67.6 مليار دولار. تقرير عام 2016 كشف أن حجم الفساد العسكري في فترة أربع سنوات فقط، من 2012 إلى 2016، وصل إلى 67.6 مليار دولار.
أتُدرك ما معنى هذا الرقم؟ إنه يساوي نحو أربعة أضعاف قيمة مشتريات مصر من الأسلحة خلال آخر خمس عشرة سنة. أي أننا كان يمكن أن نشتري أربعة أضعاف ما اشتريناه فعلاً بتلك الأموال التي أُهدرت في الفساد.
خذ مثالاً آخر على أن الثقة ليست حجة لغياب المحاسبة. اللواء سمير فراج (رئيس إدارة الشؤون المعنوية بوزارة الدفاع سابقاً، ومحافظ الأقصر الأسبق) قام ببيع أراضٍ مملوكة للدولة لأحد رجال الأعمال بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها الحقيقية في السوق.
وخذ مثالاً آخر كذلك: الفريق مصطفى السيد (محافظ أسوان المتقاعد) قام بتعيين عدد من الضباط المتقاعدين في إدارة موانئ النيل برواتب مبالغ فيها، حيث كان الحديث عن رواتب بملايين الجنيهات، لا آلافها.
والآن نصل إلى السؤال الأهم: هل فعلاً إذا أعلنا عن ميزانية الجيش سيعرف العدو قوتنا الحقيقية؟
الإجابة: لا. ببساطة لأنك تشتري هذه الأسلحة من دول أخرى، وكما ذكرت سابقاً، الأرقام التي دفعتَها مقابل هذه الصفقات معروفة، وكذلك ما دفعته للدول المُصنّعة. لكن ما لا يُعرف هو كم خرج فعلياً من خزينة مصر، وإلى أي جيوب ذهبت تلك المبالغ.
لا يوجد أي تعارض بين الحفاظ على الأسرار العسكرية وبين إعلان الأرقام المالية. فالدول التي تمتلك أسراراً عسكرية حقيقية تُخفي التفاصيل التكتيكية فقط، لا الميزانية. فلا أحد يستطيع أن يعرف من الأرقام المنشورة نوع السلاح أو موقع القواعد العسكرية. أما في حالتنا، فالغرض من الإخفاء ليس حماية الدولة، بل منع الناس من معرفة أين تُصرف المليارات ومن الذي يستفيد منها في الحقيقة.
الشفافية ليست هي الخطر على الأمن القومي… الخطر الحقيقي هو أن يُترك المال العام بلا أي حساب أو رقابة.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع