info@archon-defense.com
آركون

سلاح الردع الرخيص

18 ديسمبر 2025
323 المشاهدات
6 دقيقة/دقائق للقراءة

كيف صمدت إيران أمام إسرائيل رغم الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية؟ لكننا سنشرح ذلك من الناحية الاقتصادية.

قد يكون جزءٌ من هذا النقاش طُرح سابقًا، ولكنني سأحاول التحدث هنا من زاوية اقتصادية وبأسلوب منظم حتى نصل في النهاية إلى فكرة واضحة ومترابطة حول أسلوب الردع الذي قد يناسب دولة مثل مصر.

توجد فكرة في اقتصاديات الدفاع تُعد مفتاحًا لفهم كيفية تمكن دول متوسطة أو حتى ضعيفة اقتصاديًا من بناء قوة ردع فعالة دون الدخول في سباق تسلح كلاسيكي يؤدي إلى إفلاسها.
هذه الفكرة يمكن أن نطلق عليها ببساطة الردع الرخيص.

تقول نظرية الردع الكلاسيكية إنك لكي تمنع خصمك من الهجوم، يجب أن تقنعه بأمرين: أن احتمال نجاح هجومه ضعيف، وأن تكلفة ذلك الهجوم (إن وقع) ستكون عالية جدًا عليه.
كان هذا المنهج في الماضي مرتبطًا بالردع النووي أو الجيوش التقليدية الضخمة — ترسانات من الطائرات والمدرعات والغواصات وغيرها — لكن أغلب الدول لا تمتلك رفاهية هذا النموذج، لا ماليًا ولا تكنولوجيًا.

من هنا ظهرت فكرة الردع غير المتناظر (Asymmetric Deterrence)، أو ما يمكن تسميته أيضًا الردع الرخيص.
فبدلًا من أن تحاول منافسة خصمك بنفس نوع السلاح وبنفس مستوى الإنفاق، تبحث عن منظومات تسليح وتكتيكات تجعل تكلفة هجومه عليك أعلى بكثير من تكلفتك أنت في الدفاع عن نفسك.
وبالمناسبة، هذا لا يتعلق دائمًا بالتكنولوجيا أو نوع السلاح، فقد يكون الأمر متعلقًا بأسلوب العمليات أو التخطيط التكتيكي.

الاقتصاديون والاستراتيجيون يسمّون هذا النهج استراتيجية فرض التكلفة (cost-imposing strategy)، أي استراتيجية هدفها رفع تكاليف خصمك باستخدام أدوات أقل كلفة نسبيًا لديك.

ومن أوضح الأمثلة الواقعية على هذه الفكرة: إيران.
دولة تمتلك ترسانة جوية تقليدية متأخرة جدًا مقارنة بجيرانها وبالكيان، ومحرومة منذ عقود من استيراد مقاتلات غربية حديثة.
ومع ذلك، استطاعت أن تبني قدرة ردع حقيقية قائمة على شبكة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة.

استخدمت إيران برامج الصواريخ والطائرات دون طيار كبديل اقتصادي نسبيًا لتحديث سلاحها الجوي الكلاسيكي.
بمعنى آخر، لم تكن لديها رفاهية الاستثمار في كليهما، فاختارت التركيز على الردع الرخيص، واستطاعت من خلاله تهديد قواعد أمريكية وإسرائيلية وإقليمية دون الحاجة إلى مليارات الدولارات لشراء مقاتلات F-35 أو رافال.

هذا لا يعني أن منظومتها كاملة أو بلا نقاط ضعف، لكنه يعني أنك تستطيع، بهذا المنطق، تحويل موارد محدودة إلى قدرة ردع مقبولة، إن تمكنت من ضبط معادلة التكلفة.

يتكرر المنطق ذاته في نموذج A2/AD، وهي فكرة برزت مع الصين وإيران وروسيا.
بدل أن تنافس هذه الدول البحرية الأمريكية بمنطق “سفينة مقابل سفينة”، تبني شبكة من الصواريخ المضادة للسفن، والألغام البحرية، والزوارق السريعة، والمسيّرات.

الهدف ليس أن تصبح أقوى؛ فذلك شبه مستحيل على كل دولة بمفردها أو حتى مجتمعة أن تنافس البحرية الأمريكية، ولكنها جعلت دخول تلك البحرية إلى مناطق نفوذها أمرًا مكلفًا، خطيرًا، وغير مضمون النتائج.

هذا هو شكل الردع عبر رفع التكلفة:
الخصم قادر على الدخول، نعم، لكنه سيدفع ثمنًا باهظًا من خسائر في السفن والطائرات والسمعة السياسية، وتلك الخسائر أكبر بكثير من خسائر الطرف الآخر، فيبدأ حينها في إعادة الحسابات قبل الإقدام على أي خطوة.

أما في الحرب الأوكرانية، فنجد نموذجًا آخر للردع الرخيص.
اعتمدت أوكرانيا على نحو واسع على الطائرات المسيّرة التجارية المعدّلة وأنظمة الاستطلاع والهجوم ذات الكلفة المنخفضة نسبيًا، مع الدعم الغربي بالطبع.
دمج التقنيات المدنية ذات الاستخدام المزدوج في العمليات العسكرية وفّر قدرات هجومية ودفاعية بتكلفة أقل كثيرًا من تطوير منظومات تقليدية من الصفر.

لا تستطيع أي دولة متوسطة أن تواكب روسيا في المدفعية أو الصواريخ بالعقلية التقليدية للحرب الباردة.
لكن يمكنها خلق توازن ردع نسبي إن استخدمت تكنولوجيا ذكية ورخيصة تضرب في نقاط ضعف خصمها لا في نقاط قوته.

اقتصاديًا، تلخص كل هذه الأمثلة مفهومًا مهمًا يُسمى نسبة تبادل التكلفة (cost-exchange ratio)، أي: كم دولار تحتاج لتنفقه لتجبر خصمك على إنفاق كم دولار لمواجهتك؟

فإذا كنت تصنع طائرة مسيّرة بعشرات أو مئات الآلاف من الدولارات، في حين يحتاج خصمك إلى صاروخ دفاع جوي بملايين لاعتراضها، فأنت الرابح في المعادلة الاقتصادية حتى لو تدمّرت المسيّرة، لأنك تستنزف موارده بوتيرة أسرع مما يستطيع تعويضها.

وهذا كان أحد الأسباب الرئيسية لوقف الحرب آنذاك؛ إذ اتفق معظم المتخصصين — بعيدًا عن الدعاية الإعلامية — أن ذلك شكل انتصارًا واضحًا لإيران.

وينعكس نفس المنطق اليوم في النقاشات الأوروبية حول «حائط المسيّرات» الذي يسعون لبنائه لمواجهة التهديدات الروسية من الصواريخ والمسيّرات.
فأوروبا تقول: سنبني طبقة دفاع منخفضة التكلفة تعتمد على مسيّرات اعتراضية ورادارات رخيصة بدلًا من الاعتماد الكامل على منظومات دفاع جوي باهظة مثل الباتريوت.

ولماذا هذا الكلام مهم؟
أريدك أن تركز معي قليلًا في هذه النقطة المهمة...

تظهر أهمية هذا الفكر عندما نفكر في واقعنا كمصر، لأنه يغير السؤال المركزي الذي يجب أن نطرحه.
فالسؤال لا ينبغي أن يكون: “كيف نوفر تكلفة شراء منظومات دفاع باهظة بغرض الردع؟”
بل: “كيف نبني استراتيجية ردع رخيصة تتناسب مع قدراتنا الصناعية والتكنولوجية الحقيقية؟”

والفرق بين السؤالين كبير، ليس فقط في الاختيار بين خيارين، بل في منطق الردع ذاته.

هذا لا يعني أننا لا نمتلك مقاتلات من الجيل الخامس، ولكن يعني أن نضبط معادلة الردع والتكاليف بحيث نتمكن من تحقيق ردع واقعي بإمكانياتنا الحالية.

فبدلًا من توزيع مواردنا المحدودة على مشاريع ضخمة لا تكتمل أو ترهق الميزانية، يمكننا بناء برنامج وطني للطائرات المسيّرة تدريجيًا — من الاستطلاع إلى الهجوم — قائم على دمج المكونات المدنية والعسكرية.
كما يمكن تطوير ذخائر انزلاقية وصواريخ كروز قصيرة ومتوسطة المدى تُطلق من الجو أو البحر أو البر بما يتناسب مع جغرافيا مصر وطبيعة التهديدات المحيطة بها.

ويمكن أيضًا الاستثمار في الحرب الإلكترونية والسيبرانية ووسائل التشويش والخداع، إذ يكون تأثيرها الردعي أحيانًا أعلى من منظومات الدفاع التقليدية الباهظة.

حتى لا يُساء فهم الفكرة: السلاح الرخيص ليس أفضل بالضرورة، فكلفة إنشاء شبكة صواريخ ومسيّرات وحرب إلكترونية قد تكون مرتفعة أيضًا، لكن المهم أن تُبنى الاستراتيجية الدفاعية على سؤال اقتصادي واضح:
كم يزيد كل دولار أنفقه في الدفاع من قدرتي على الردع؟ وكم يستنزف من موارد خصمي؟

هذه طريقة تفكير مختلفة عن الشكل التقليدي للردع.
ففي التقليدي، تبدأ الحسابات من قدراتك أنت؛ “ابنِ ما تستطيع تحمله.”
أما الردع الذي نتحدث عنه هنا، فيبدأ من قدرات خصمك: ما إمكانياته؟ وكم يمكنك أن تجعله يخسر؟ وما تكلفة ذلك عليك؟

إن لم نفكر بهذه الطريقة، سنجد أنفسنا نجمع أغلى منظومات السلاح من أنحاء العالم دون امتلاك فلسفة ردع واضحة.
فلا نصبح قوة عظمى تقليدية، ولا ننجح في لعب لعبة “الردع الرخيص” بذكاء.

أما إن فكرنا بهذه الفلسفة، فقد نكتشف أن بناء برنامج وطني للردع الرخيص قائم على التكنولوجيا التي نستطيع إنتاجها وتطويرها بأنفسنا، أهم بكثير من فكرة امتلاك كل أنواع الأسلحة التي لدى “نادي الكبار”.

Add to follow-up
Check sources
مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع