info@archon-defense.com
آركون

الإمارات..ثورة في الصناعات الدفاعية أم احتكار مقنّع للأسواق المحلية

19 ديسمبر 2025
455 المشاهدات
7 دقيقة/دقائق للقراءة

كيف استطاعت الإمارات تحقيق صادرات دفاعية بقيمة 2.3 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً أربعة عشر ضعف صادرات مصر الدفاعية؟ وإذا تحدثنا عن الإيرادات الدفاعية، فالإمارات تحقق ما يعادل ثلاثين ضعف مصر. فهل النموذج الدفاعي الإماراتي ناجح كما يُقال عنه؟

الإمارات حالة خاصة في اقتصاديات الدفاع؛ فهي دولة تجمع بين النجاح في الأرقام، ولكن ذلك النجاح نفسه يحمل في داخله مشكلات ليست بالهينة، إلى درجة أن هناك حملات واسعة لمقاطعة المنتجات الدفاعية الإماراتية. وليست هذه المقاطعات لأسباب أخلاقية، بل لأسباب تتعلق بالسوق ذاته، واتهامات بأنها ألحقت الضرر بعدد من الشركات وصناعات عديدة في دول دخلت السوق نفسها.

فلنرَ معاً قصة الإمارات في الصناعات الدفاعية بصورة شاملة.

تُعد الإمارات نموذجاً مختلفاً لأنها واحدة من الدول القليلة التي قررت بناء قطاع دفاعي ليس من منطلق "جيش يحتاج لسلاح"، بل من منطلق "اقتصاد يريد صناعة". أي من منطلق تجاري بحت، فيه فرصة لفرض نفوذ إقليمي ودولي.
بمعنى آخر، الصناعة الدفاعية في الإمارات ليست مجرد ذراع للجيش، بل يمكن رؤيتها كأداة ضمن استراتيجيتها العامة لتنويع مصادر الاقتصاد بعد النفط. وهذا اختلاف جوهري ومهم في الفلسفة الإدارية والاقتصادية للإمارات في قطاع الصناعات الدفاعية.

بدأت قصة الإمارات مع الصناعات الدفاعية منذ عشر سنوات فقط، تحديداً منذ إحدى عشرة سنة. وإذا نظرنا إلى تطور هذا القطاع منذ عام 2014 حتى اليوم، فسندرك لماذا تستحق التجربة الإماراتية الدراسة.

في عام 2014 أنشأت الدولة مجموعة «إيدج» (EDGE)، وهي ليست شركة واحدة كما يظن البعض، بل مظلة تضم أكثر من خمسٍ وعشرين شركة تعمل في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا المتقدمة.
يمكن النظر إلى هذه المجموعة كشركة قابضة تُدار بعقلية استثمارية وبتمويل من صناديق سيادية، أي أنها ليست تابعة للجيش، ولا أُسست لتلبية متطلباته مباشرة. ويتضح ذلك من هيكلها الإداري الذي هو مدني تقني، يضم مجلس إدارة فيه خبرات مالية وصناعية من خارج المجال العسكري. فالإمارات تسير وفق مفهوم تجاري واضح، قائم على مؤشرات أداء (KPIs) وموازنات سنوية تخضع لمراجعة مالية دقيقة، دون أن يكون للمفهوم العسكري حضور مباشر في الإدارة.

ما حدث بعد ذلك يُعد من أسرع التحولات المؤسسية في العالم العربي وربما في العالم كله.
فقد تم دمج شركات مثل "توازن"، و"نمر"، و"الأوفست الصناعي"، و"أداسي"، و"الياه سات"، و"هالكن" في كيان واحد يعمل وفق منطق السوق العالمي، أي بالتطوير والتصنيع والتصدير، بنفس منهج شركات كبرى مثل "بي إيه إي سيستمز" البريطانية و"ليوناردو" الإيطالية.

هذا الدمج نقل الإمارات من مرحلة استيراد السلاح الجاهز إلى مرحلة امتلاك المعرفة التشغيلية في مجالات مثل الأقمار الصناعية، والذخائر الجوية، وأنظمة القيادة والسيطرة. وهنا من المهم التأكيد على أن المقصود هو "امتلاك المعرفة التشغيلية" وليس "امتلاك التكنولوجيا" أو "التصنيع المتقدم"، فالإمارات لم تصل بعد إلى تلك المرحلة.

اقتصادياً، التجربة الإماراتية مهمة لأنها لم تحاول منافسة الولايات المتحدة أو فرنسا في التكنولوجيا نفسها، بل ركزت على الفجوات الموجودة في السوق وعملت على استغلالها؛ مثل أنظمة الدفاع الجوي القصيرة المدى، والطائرات المسيّرة الخفيفة، والذخائر الذكية، والإلكترونيات التكتيكية. وهذه تحديداً هي المجالات التي تعتبرها الشركات الكبرى تفاصيل صغيرة لا ترغب في استهلاك مواردها فيها، وهي بالضبط التخصصات التي اختارت الإمارات أن تعمل فيها.

بالتالي، تحركت الإمارات وفق استراتيجية "التخصص الدقيق" (niche specialization)، واستراتيجيتها واضحة: تقديم منتج مخصص لسوق محدد، بجودة متوسطة، وعائد مرتفع، وسرعة في التسليم.

النقطة المختلفة هي أن مجموعة «إيدج» (EDGE) لم تعمل كشركة دفاع حكومية مغلقة، بل كمنصّة شراكات دولية مفتوحة. منطقها بسيط: "أنا موجود هنا، أملك موارد مالية ضخمة، وإذا أردت التعاون في إنتاج منتج معيّن، ستجدني مستعدًا للمشاركة".
شركات مثل BAE Systems وRaytheon وLeonardo وBaykar جميعها دخلت في شراكات مع الإمارات لتطوير مشترك أو لإنتاج مكونات أو لاختبار أنظمة. وهذه، بالمناسبة، من أكبر الشركات العالمية في الصناعات الدفاعية.

في عام 2024، بلغت قيمة الصادرات الدفاعية الإماراتية نحو 3 مليارات دولار. رقم قد يبدو صغيرًا بالقياس إلى الصناعة العالمية، لكنه كبير جدًا إذا أخذنا في الاعتبار أن عمر هذا القطاع لا يتجاوز عشر سنوات فقط.
وسأذكر لك معلومة غريبة، ليس لها معنى مباشر لكنها لافتة: صادرات «إيدج» الآن أكثر تنوعًا من صادرات النفط الإماراتية من حيث عدد الدول المستوردة.

لكن الأهم من الأرقام هو أن الإمارات تبني قطاعها الدفاعي بوصفه قطاعًا لإنتاج المعرفة. فالدولة تستخدم الدفاع ليس فقط كأداة للقوة العسكرية، بل كمختبر تكنولوجي يدعم مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطيران، والفضاء في القطاعات المدنية. وهذا ما يسميه الاقتصاديون تفعيل أثر الاستخدام المزدوج (dual-use spillover effect)، وقد سبق لي أن شرحت معناه وأهميته.

من ناحية الحوكمة، تمكنت الإمارات من تحقيق المعادلة التي فشلت فيها دول كثيرة:
قيادة مدنية تنفيذية، سيطرة سيادية من الدولة، حوكمة مالية تشبه الشركات العالمية، وثقافة مكافآت تقوم على الابتكار وجودة التنفيذ.
بعبارة أخرى، نجحت الإمارات في إنشاء إدارة شبه سوقية داخل نظام سيادي، وهو أمر نادر.

هذا جعلها واحدة من التجارب القليلة التي أدركت أن القوة الدفاعية لا تقاس بعدد الدبابات، بل بعدد المهندسين الذين يختبرونها ويبتكرون براءات اختراع تفيد قطاعات أخرى.

لكن الإمارات ليست جنة دفاعية؛ فهناك ثلاث مشكلات أساسية:

أولًا: بناء القدرات المحلية يحتاج عقودًا لا سنوات، خاصة مع النقص الواضح في عدد المهندسين الإماراتيين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. وعلى الرغم من الحملات المكثفة لـ"أمرتة" القوى العاملة (على غرار "سعودة" في السعودية)، فإن النسبة لا تزال محدودة: فقط 20٪ من العاملين في القطاع إماراتيون، وحوالي 50٪ فقط من المهندسين إماراتيون، بينما البقية من الأجانب.

ثانيًا: رغم هذه الطفرة الكبيرة، فإن الإمارات لا تزال تعتمد على مكونات حرجة مستوردة مثل الرقائق الإلكترونية، والحساسات المتقدمة، والبرمجيات القادمة من الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا الجنوبية. ولا توجد خطة مُعلنة لتوطين إنتاج هذه المكونات.
اقتصاديًا يُعرف هذا الوضع باسم فخ الاعتمادية التكنولوجية (technological dependency trap)، إذ إن معظم المنتجات الإماراتية هي منتجات تجميع أو تطوير سطحي، وليست ابتكارًا سياديًا كاملاً. وبالتالي، في حال حدوث عقوبات أو حرب تجارية، قد يتوقف الإنتاج فورًا، مما يحدّ من قدرة الصناعة على الصمود ويجعل قيمة صادراتها الفعلية منخفضة إلى متوسطة التقنية (low-to-mid tech) أكثر من كونها عالية التقنية (high-end tech).

ثالثًا: وهي المشكلة الأكبر والأخطر، تتعلق بالاتهامات الدولية الموجَّهة للإمارات بممارسة سياسات احتكارية (monopolistic behaviors) والتدخل في الأسواق الخارجية أو التلاعب بها.
تُتّهم الإمارات بأنها تُشكِّل تهديدًا للسيادة الاقتصادية في الدول التي دخلت أسواقها، لأنها تفرض شروطًا في العقود تجعل الشركات المحلية مجرد موردين ثانويين تحت إدارتها، مع نقل جزئي للتكنولوجيا إلى الإمارات.

في أسواق مثل كينيا، وبولندا، والبرازيل، وإسبانيا، تواجه «إيدج» اتهامات بتشويه السوق (market distortion) عبر السيطرة الحكومية التي تخنق المنافسة المحلية.
حدث ذلك من خلال عقود حصرية واستحواذات أدت إلى إضعاف الشركات الصغيرة في تلك الدول، مما أطلق حملات مقاطعة دولية ضد المجموعة بوصفها كيانًا حكوميًا يسيطر على سلاسل الإمداد ويهدد السيادة الاقتصادية للدول المستوردة.

اقتصاديًا، يقوم هذا الاتهام على نموذج يُعرف باسم الاستحواذ الافتراسي (predatory acquisition). يقول المنتقدون إن المجموعة شركة مدعومة سياديًا بإيرادات سنوية تبلغ نحو 5 مليارات دولار، إضافةً إلى أنها تتبع لصناديق سيادية مثل ADQ. وهذا يمنحها القدرة على شراء الشركات بأسعار مرتفعة جدًا دون الحاجة إلى تحقيق ربح سريع، كما تستطيع استقطاب الخبرات بسرعة.
لذا، فإن الوضع لا يُعد منافسة عادلة، لأن هذا النموذج يقلل من الابتكار المحلي في الدول التي تدخلها، لا سيما تلك التي تعتمد فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة على العقود الدفاعية المحدودة.

منذ عام 2023، استحوذت الإمارات على حصص كبيرة في شركات أوروبية وأخرى في أمريكا الجنوبية، مثل شركة Milrem Robotics في إستونيا، والتي بالمناسبة كانت أكبر استثمار في تاريخ صناعة الدفاع الإستونية.
وقد فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقًا استمر خمسة أشهر خشية تسرب تكنولوجيا مدعومة من الاتحاد إلى الإمارات، كما حدث سابقًا في مشروع iMUGS الخاص بالدبابات الآلية.

كذلك اشترت الإمارات حصة ضخمة في شركة Anavia السويسرية المتخصصة في صناعة المسيرات، واستحوذت على 50٪ من شركة SIATT البرازيلية العاملة في مجال الذخائر الدقيقة، واشترت شركة Flaris البولندية — أو جزءًا منها — وهي شركة لصناعة الطائرات الخفيفة، إضافة إلى استحواذها على شركة Condor البرازيلية.

تشير تقارير عديدة إلى أن هذه الاستحواذات فعّالة على المدى القصير، إذ تهدف إلى نقل التكنولوجيا، لكنها تُحدث مشاكل على المدى الطويل. فغالبًا ما تغادر الشركة الإماراتية بعد تحقيق هدفها، وتعود للتوطين بالتكنولوجيا، وأحيانًا بالكوادر البشرية من الشركة المستحوذ عليها نفسها، تاركةً خلفها دولة لم تحقق مكاسب حقيقية من الصفقة.

هذه المشكلة ظهرت داخل الإمارات نفسها، وليس فقط في الخارج.
فمجموعة إيدج تسيطر على السوق الإماراتي بشكل شبه كامل، مما يقلل من المنافسة ويضغط على الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة، ويخلق ما يمكن تسميته فقاعة ابتكار — أي ابتكار قائم على دعم حكومي غير مستدام على المدى الطويل.

من خلال هذه المعطيات، يمكننا القول إن النموذج الإماراتي عبقري من حيث السرعة، لكنه هش من حيث الاعتمادية والتوازن بين الربحية والاستقلالية.
اقتصاديًا، النموذج ناجح حتى الآن، لكن في حال تفاقمت الحملات الدولية أو شددت وكالة الدفاع الأوروبية القوانين والقيود على نشاط الإمارات في أوروبا الشرقية، فقد تخسر «إيدج» كل ما أنجزته حتى الآن.

وهذا يمثل درسًا مهمًا للإمارات نفسها ولدول أخرى مثل السعودية: أن السرعة في النمو ليست دائمًا ميزة، لأن النمو الحقيقي يحتاج إلى توازن بين القدرات والأهداف، وإلى بناء ثقة دولية وشراكات تحقق مكاسب متبادلة لجميع الأطراف.


مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع