info@archon-defense.com
آركون

ما هي تكلفة الحرب الفعلية على إسرائيل؟

23 ديسمبر 2025
251 المشاهدات
3 دقيقة/دقائق للقراءة

وزير المالية الإسرائيلي صرح قائلاً: "نحن في أطول وأغلى حرب في تاريخ إسرائيل"، لكن حتى وهو ينطق بهذه الجملة كانت حساباته خاطئة، والحسابات الحقيقية أكبر بكثير من تلك التي أعلنها في حينها.

هناك ورقة بحثية مهمة نُشرت منذ حوالي ثلاثة أسابيع في أهم مجلة علمية في اقتصاديات الدفاع، من إعداد الدكتور خالد الموازيني وعلي بولات وعدل بهزادي.

عنوان الورقة هو: "في ضوء ستيغليتز وبيلمس (2008): التكلفة الحقيقية لحرب غزة لإسرائيل".

تتناول هذه الورقة مقارنة التكاليف الحقيقية للحرب على غزة باستخدام إطار علمي، وتؤكد أن التكاليف الفعلية أعلى من التقديرات الرسمية بنحو ثلاث مرات تقريبًا، مع وجود تكاليف ضمنية ومستقبلية كبيرة.

يهدف البحث إلى تقدير التكلفة الحقيقية لحرب غزة من منظور اقتصادي شامل، أي تشمل التكاليف المباشرة وغير المباشرة والمتوقعة في المستقبل.

باختصار، اعتمدت الورقة إطارًا يقسم التكاليف إلى ثلاث فئات رئيسية: التكاليف الميزانية (budgetary)، التكاليف الدقيقة للمجتمع (microeconomic)، والتكاليف الكلية (macroeconomic).

ثم أضافت إليها التكاليف المستقبلية والالتزامات طويلة الأجل، لكي نتمكن من رؤية صورة شاملة أوسع من مجرد حساب الأعباء المباشرة الرسمية.

أما التكاليف المباشرة، فقد احتسبت فيها التقديرات الرسمية (من وزارة المالية الإسرائيلية وبنك إسرائيل)، والتي تراوحت تقريبًا بين 54 و68 مليار دولار كتكلفة مباشرة للحرب.

ولكن حساباتهم تشير إلى أن هذه الأرقام لا تأخذ في الاعتبار التكلفة المستقبلية، والتي إذا أضفناها فسنجد أن التكلفة الحقيقية تقترب من 212.8 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف التقديرات الرسمية.

قسّم الباحثون الجدول الزمني للنفقات الدفاعية حتى عام 2025 إلى عدة بنود: الإنفاق المدني، والأضرار المباشرة، والبدائل المستقبلية مثل الإنفاق العسكري خلال السنوات العشر القادمة، وتكاليف العلاج، والدعم المالي للمحاربين القدامى خلال نفس الفترة. كل ذلك يعطينا تقديرًا إجماليًا يبلغ نحو 104.2 مليار دولار بشكل مباشر و104.2 مليار دولار إضافية في سياقات أخرى.

أما التكاليف غير المباشرة فقد قسموها إلى خسائر في الإنتاجية، وتراجع السياحة، وفقدان الاستثمار الأجنبي المباشر، بالإضافة إلى مشروعات تم إيقافها أو إلغاؤها. وبلغ الإجمالي التقريبي لهذه الفئة نحو 108.6 مليار دولار.

فعلى سبيل المثال، أدى فقدان السياحة إلى خسارة نحو 5.5 مليار دولار، كما تسبب فقدان الاستثمار الأجنبي وتجميد مشروعات كبرى – مثل تعليق بناء مصنع "إنتل" في إسرائيل – بخسائر تُقدّر بحوالي 25 مليار دولار. هذا فضلًا عن خسائر الإنتاجية الناتجة عن تعبئة قوات الاحتياط، ونفقات الرعاية المنزلية للمصابين، وغيرها، وهي كلها تكاليف غير مباشرة وطويلة الأجل.

وبعد جمع التكاليف المباشرة وغير المباشرة والمستقبلية المحتملة، توصّل البحث إلى أن إجمالي التكلفة الاقتصادية الحقيقية للحرب يبلغ تقريبًا 212.8 مليار دولار.

وهو رقم ضخم للغاية، يوازي تقريبًا ثلثي حجم اقتصاد مصر، ويزيد على نصف حجم اقتصاد إسرائيل.

ذلك بالإضافة إلى أن الورقة تثبت أن حتى حساباتهم كانت متحفظة، وأن هناك تكاليف نوعية غير قابلة للقياس العددي بدقة كبيرة، مثل الإضرار بالسمعة الدولية وتأثيراتها المحتملة على الصادرات والتعاون الدولي على المدى الطويل، غير أنهم لم يحتسبوا تلك التكلفة لصعوبة تقديرها بدقة.

الأهم أن الورقة تتوقع زيادة عجز الميزانية الحكومية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع الدين الخارجي والتضخم في السنوات القادمة، وهو ما يعزز مبررات اعتماد منهج حساب التكلفة الشاملة بدلاً من التركيز على التكلفة المباشرة التي أعلنتها إسرائيل رسميًا.

ومن الجدير بالذكر أن الورقة تستخدم إطار Stiglitz & Bilmes (2008) في عملية القياس، وهو إطار يشمل التكاليف المخفية والمستمرة التي لا تظهر إلا عند احتساب الالتزامات طويلة الأجل والآثار الكلية على مستوى الاقتصاد الوطني (macroeconomic/national scale)، وبذلك تقدم الورقة صورة شاملة ومتكاملة مقارنة بالتقارير الحكومية الرسمية.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع