info@archon-defense.com
آركون

الدفاع العربي المشترك خيار غير عقلاني اقتصادياً

22 ديسمبر 2025
199 المشاهدات
7 دقيقة/دقائق للقراءة

دون أن نخوض في السياسة أو نظريات المؤامرة، دعونا نُلقي نظرة على شكل الصناعات الدفاعية والتعاون في مجال الدفاع في الوطن العربي، ونحاول أن نفهم لماذا لا يوجد مشروع دفاعي عربي مشترك، بل سأُفاجئك عندما أصل بك إلى فكرة أن اختيار عدم التعاون العربي في مجال الدفاع هو في الواقع قرار عقلاني.

إذا كنت من النوع الذي يبحث عن الإجابات السهلة، كأن تقول مثلًا إن إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان للعرب أن يتعاونوا معًا، فليس هذا المنشور موجهًا إليك. أنا هنا لأتحدث انطلاقًا من حقائق وواقع وأسباب بعيدة عن نظريات المؤامرة والإجابات المريحة.

في عام 2024، أنفق الشرق الأوسط 243 مليار دولار على الدفاع. المملكة العربية السعودية وحدها أنفقت 80.3 مليار دولار، وهي سابع أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق الدفاعي بالمناسبة. وإذا أضفنا الإمارات والعراق ومصر والكويت وقطر، نجد أن المجموع يصل تقريبًا إلى 150 مليار دولار أنفقت على الدفاع من هذه الدول وحدها في سنة واحدة. رقم هائل، أليس كذلك؟ إذًا أين تكمن المشكلة؟

لفهم الواقع الموجود، دعونا نعود إلى عام 1982، حين قرر مجلس التعاون الخليجي إنشاء قوة دفاع مشتركة. كان قرارًا عظيمًا ومهمًا، ودون الخوض في التفاصيل السياسية، كانت نتيجة هذه القوة المشتركة... صفر. لم يكن لها أي تأثير، لا تقنيًا ولا عسكريًا، في المنطقة.

وفي عام 2014، قررت دول الخليج مرة أخرى تأسيس جهاز استخبارات موحد مع مركز قيادة واحد. لكن، مرة أخرى، فشلت الفكرة، وكان السبب الأساسي هو أن كل دولة لم ترغب في التنازل عن جزء من سيادتها أو عن أولويتها وهيمنتها وحقها في اتخاذ القرار داخل المنطقة.

المشكلة التي نتحدث عنها هنا ليست عسكرية على الإطلاق، بل هي اقتصادية ومؤسسية. فمن الطبيعي أن الجميع سيستفيد عسكريًا إذا وُجد جيش موحد أو صناعة دفاعية مشتركة نشارك فيها جميعًا.

لكن اقتصاديًا، الوضع مختلف. فعندما ننظر إلى المسألة بمنطق الاقتصاد، نجد أن التعاون الدفاعي العربي هو الخيار الأسوأ لكل طرف على حدة، حتى وإن كان الأفضل للمجموعة ككل.

هذه المشكلة معروفة في علم الاقتصاد باسم «معضلة العمل الجماعي» (Collective Action Problem). والفكرة ببساطة هي أن هناك دائمًا فرقًا بين المصلحة الفردية قصيرة المدى والمصلحة الجماعية طويلة المدى. فكل لاعب، عندما يتخذ قراره بعقلانية تامة ومن دون أي سوء نية، يجد أن الخيار الأفضل بالنسبة له هو عدم الالتزام بالتعاون، حتى لو كان يعلم يقينًا أن التعاون الكامل من جميع الأطراف سيؤدي إلى نتيجة أفضل للجميع.

المشكلة أن العائد الجماعي يُوزَّع على الجميع، بينما تتحمل كل جهة التكلفة بشكل مباشر وفوري. على سبيل المثال: التنازل عن جزء من السيادة، أو فقدان التحكم، أو كشف معلومات حساسة، أو المشاركة في اتخاذ القرار. لذلك تدخل كل دولة اللعبة وهي ترى أنه إن تعاونت بينما غيرها لم يتعاون بالقدر نفسه، فهي الخاسرة. ولهذا تختار الانسحاب أو التعطيل أو وضع الشروط التي تُطيل المفاوضات، وتكون النتيجة النهائية أن الجميع يخسر، رغم أن أحداً لم يكن ينوي إفشال التعاون.

هذا ليس خيانة ولا ضعفاً، بل هو ببساطة حساب اقتصادي بارد داخل لعبة صُمِّمت لتفشل ما لم توجد مؤسسات حقيقية تكسر هذه المعادلة.
وبالمناسبة، هذا الأمر نفسه يحدث حالياً في التعاون الدفاعي داخل أوروبا.

يمكننا أن ننظر إلى المشكلة من زاوية اقتصادية مختلفة.
ففي أي مشروع دفاعي هناك مراحل عدة. المرحلة الأولى تحدث قبل البدء في المشروع أصلاً، حيث يجتمع صانع القرار السياسي مع القيادة العسكرية والصناعات الدفاعية. يقول صانع القرار: "نحن بحاجة إلى الدخول في شراكة مع الدولة الفلانية"، لكن الجيش والشركات الدفاعية ترد عليه بالرفض خوفاً من فقدان قدراتها التقنية أو من مشاركة معلومات سيادية حساسة.

ثم نبدأ المشروع فيضم دولاً مختلفة، فتقول المملكة العربية السعودية: "أنا صاحبة النفوذ الأكبر"، وتقول الإمارات: "بل أنا أمتلك التكنولوجيا الأفضل". يحدث حينها خلاف حول نسبة كل دولة وحجم اختصاصها داخل المشروع. أضف إلى ذلك أن كل دولة تدخل المشروع بدافع مختلف؛ فبعضها يريد تطوير تكنولوجيا معينة، وبعضها يسعى إلى زيادة المبيعات وتحقيق الأرباح، وأخرى تطمح إلى تدريب مهندسيها تقنياً. هذا التنوع في الأهداف يجعل إدارة الحوافز والتوقعات عملية معقدة وصعبة للغاية.

لكن لنفترض أن المشروع بدأ فعلاً وبدأ في العمل. تأتي هنا مشكلة أخرى: ليست تكلفة المشروع نفسها، بل تكلفة التنسيق داخله. فالصناعات الدفاعية لديها معايير معينة (Standards)، وقد تعمل بعض الدول وفق معايير مختلفة عن غيرها، ومحاولة توحيد هذه المعايير على المستوى التقني والإداري مهمة شاقة. وهناك أيضاً تكلفة المراقبة والتنفيذ: من الذي يضمن أن كل دولة تنفذ ما التزمت به؟ ومن يراقب ألا يتم تسريب التكنولوجيا أو المعلومات؟ إن إدارة كل هذه الأمور أمر بالغ الصعوبة.

نصل الآن إلى نقطة أخرى. هناك دراسة حديثة من شركة "PwC" تشير إلى أن الاندفاع غير المنظم في شراء الأنظمة الدفاعية في دول الخليج يكلّفها مليارات إضافية سنوياً بسبب تعقيد سلاسل الإمداد والصيانة. هذا الكلام صحيح ومهم، ولكنه سطحي جداً، لأن محاولة تقليل هذه التكاليف ستكلف الدول أكثر من تركها كما هي.

يعني أن الإنفاق الدفاعي للدول التي تحدثنا عنها يبلغ نحو 150 مليار دولار في السنة، لكن ما يُنفق محليًا على التطوير الداخلي لا يتجاوز 6 مليارات فقط. وهذا يعني أن هذا الإنفاق موجه في معظمه إلى الاستيراد، ولكل دولة سلاسل الإمداد الخاصة بها، من موردين وشركات مختلفة، مما يؤدي إلى زيادة في التكاليف على الجميع. غير أن تكلفة تجنّب هذه الزيادة أو تقليلها أمر صعب للغاية.

على سبيل المثال، قد يقول أحدهم: بدلًا من أن تشتري كل دولة خمس طائرات مقاتلة بمفردها، لو اشترينا جميعًا صفقة واحدة تضم خمسين مقاتلة لنا جميعًا، سيكون السعر أقل بالطبع على الجميع. لكن المشكلة هنا أن ليس كل هذه الدول تحتاج إلى النوع نفسه من الطائرات المقاتلة، وحتى إن احتاجتها جميعًا، فغالبًا ستطلب كل دولة مواصفات مختلفة تمامًا تلائم احتياجاتها الخاصة. هذا بالإضافة إلى القيود السياسية التي تفرضها العلاقات بين الدول، ما يجعل المسألة أعقد بكثير من مجرد قولنا: "لنتحد ولنشتري معًا".

أما في أوروبا، فالأوروبيون لا يواجهون معظم العقبات التي يعاني منها الخليج أو العالم العربي. لديهم مؤسسات مستقرة، وقوانين واضحة، وآليات فعالة للمحاسبة. ومع ذلك، حين حاولوا تنفيذ مشروع دفاعي مشترك بسيط نسبيًا مثل مشروع الطائرة المسيّرة Eurodrone، تحوّلت القصة سريعًا إلى تجربة فشل قاسية في اقتصاديات التعاون.

المشروع بدأ بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا – أربع دول صناعية كبرى تمتلك جيوشًا قوية وصناعات دفاعية متقدمة. نظريًا، كانت جميع الشروط المثالية متوفرة، لكن عمليًا، دخلت كل دولة المشروع وهي تفكر بعقلية اللاعب الفردي لا بعقلية الفريق الواحد.

قالت ألمانيا: "نحن بحاجة إلى طائرة مسيّرة تستطيع العمل في الطقس السيئ والعواصف لاحتياجاتنا الداخلية."
فردّت فرنسا: "ذلك سيجعل المنظومة أثقل وأغلى ولن تكون قابلة للتصدير، وبالتالي سيقوّض الجدوى الاقتصادية للمشروع."

ولم تكن هذه مشكلة تقنية بحتة ولا حتى خلافًا سياسيًا، بل كانت مشكلة حوافز اقتصادية؛ فكل طرف حاول تعظيم مكاسبه الوطنية داخل مشروع من المفترض أن يكون جماعيًا.
النتيجة كانت متوقعة بالنسبة لمعظم الباحثين والمتخصصين: التكاليف خرجت عن السيطرة وتضاعفت، والجداول الزمنية تأخرت لسنوات، وفي النهاية انسحبت فرنسا نفسها بعدما وجدت أن الحسابات لم تعد منطقية بالنسبة لها. أما المشروع فبقي حتى اليوم في منتصف الطريق – لم يُنجز بالكامل ولم يُلغ رسميًا.

وهذا مثال أوروبي بين دول تمتلك مؤسسات قوية، واقتصادات متقاربة، وخبرة طويلة في التعاون العسكري. فإذا كان هذا الفشل قد حدث في بيئة بهذه القوة والاستقرار، فالسؤال لا ينبغي أن يكون: "لماذا لا يستطيع الشرق الأوسط بناء صناعة دفاعية مشتركة؟"
بل السؤال الحقيقي هو: "كيف نتخيل أن الأمر سيكون أسهل لدينا؟"

المشكلة أن الدول تنظر إلى الأمن القومي باعتباره قضية سيادية وليست قضية اقتصادية، ولذلك فإن خيار أن تنفق الدولة أكثر مقابل الحفاظ على سيادتها يُعد الخيار العقلاني، حتى وإن كانت تكلفته مرتفعة.

وعندما تُحسب المعادلة الاقتصادية بعقلانية، نجد أن الدخول في تعاون معقد أعلى تكلفة من الاستمرار في استيراد المعدات الجاهزة من الولايات المتحدة أو فرنسا أو روسيا. ذلك لأن تحقيق التعاون الدفاعي يتطلب البدء بحل سلسلة طويلة من المشكلات، وآخرها فقط هو تحديد ما الذي تحتاج إلى تصنيعه بشكل مشترك.

ولهذا سأقول لك كلمتين اقتصاديتين اجعلهما نصب عينيك دائمًا: الفشل المنظَّم أحيانًا يكون أكثر عقلانية من النجاح المشترك، طالما أن كل طرف قد تأقلم على الوضع القائم وفضّل استقراره على المخاطرة بمستقبلٍ مشتركٍ غير مضمون.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع