info@archon-defense.com
آركون

اقتصاد الذخائر الذكية

18 ديسمبر 2025
323 المشاهدات
4 دقيقة/دقائق للقراءة

ثمة تحوّل ضخم يحدث في الصناعات الدفاعية حاليًا، وهذا التحول ليس في الطائرات ولا في الدبابات، أي ليس في الكتلة الكبيرة من الأسلحة، بل في الذخائر نفسها.

وقبل أن تظن أنني قادم لأخبرك بوجود شيء جديد اسمه «الذخائر الذكية» فتقول في نفسك «أعرف هذا الكلام من قبل»، تمهّل لنرى معًا كيف تُغيّر هذه الذخائر طبيعة الصناعات الدفاعية، وكيف تخلق فرصًا جديدة للدول المتوسطة والصغيرة، لأن كل «طلقة ذكية» اليوم أصبحت مشروعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته.

في الماضي، كانت الذخيرة سلعة استهلاكية منخفضة السعر قصيرة العمر. أمّا اليوم، فقد أصبحت سلعة تكنولوجية عالية القيمة.
فبدلًا من أن تكون مجرد معدن ورأس متفجر، أصبحت تحتوي على إلكترونيات، وبرمجيات، وأجهزة استشعار، ومعالجة بيانات لحظية.
بعبارة أبسط: أصبحت الذخيرة كمبيوترًا طائرًا يفجّر هدفه!

من الناحية الاقتصادية، هذا التطور يغيّر قواعد اللعبة تمامًا.
لماذا؟ لأنك أصبحت تقيس القوة ليس بعدد الصواريخ أو القنابل التي تمتلكها، بل بمعدل التكلفة مقابل التأثير — وهو مفهوم جديد نسبيًا عند الحديث عن الذخائر.

فالقنبلة الذكية الواحدة قد تُحدث التأثير نفسه الذي تسببه طلعة جوية تحتوي على عشرات القنابل التقليدية. وهذا يعني تقليل الاستهلاك والوقت، والأهم من ذلك تقليل المخاطرة في العمليات الجوية.
لكن في المقابل، قد يصل سعر القنبلة الواحدة إلى مئات الآلاف من الدولارات.

وهذا يضع الدول أمام معضلة حقيقية:
هل الأفضل شراء عدد كبير من الذخائر الرخيصة منخفضة الدقة؟ أم شراء عدد محدود من الذخائر الذكية مرتفعة التكلفة؟

يمكن رؤية هذه المعادلة عمليًا في الحرب الأوكرانية.
أعلم أنني أتحدث عنها كثيرًا، ولكنها مثال حيّ؛ فعندما أوشكت مخزونات الذخائر الذكية الغربية على النفاد بعد عامين فقط من الحرب، أعلنت شركات كبرى مثل Raytheon وBAE Systems أن معدلات الإنتاج غير كافية لتغطية الاستهلاك الفعلي!

بمعنى آخر، حتى أقوى اقتصادات العالم وجدت نفسها تعيد النظر في المفهوم الكلاسيكي لتخزين القوة العسكرية.

وهنا ندخل إلى مستوى جديد من النقاش…
بدأنا بالحديث عن أن الذخائر التقليدية أصبحت قديمة، وأن الذخائر الذكية هي البديل الأفضل.
لكننا نكتشف بعد التعمّق أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن هناك اتجاهًا جديدًا لإعادة التفكير في المسألة برمتها، بسبب مشكلات الوقت والإنتاج.

فالحرب لم تدم سوى عامين، ومع ذلك تعجز الدول الغربية عن مواصلة إمداد أوكرانيا بالذخائر.
تخيّل إذن لو استمرّت الحرب عشر سنوات!

أهمية هذا التحول تكمن في أنه لم يعد مجرد مجال تقني بل أصبح قضية اقتصادية بحتة.
ومن هنا ظهر مصطلح جديد في الاقتصاد السياسي للدفاع:
عنق الزجاجة اللوجستي للذخائر الذكية (Smart Munitions Bottleneck).

بدأت دراسات كثيرة تشير إلى أن ارتفاع التكلفة التكنولوجية في الصناعات الدفاعية يُنتج هشاشة هيكلية في القدرة على خوض حروب طويلة الأمد.

وإذا عدنا خطوة إلى الوراء لنسأل: لماذا أصبحت الذخائر الذكية قضية اقتصادية أكثر منها تكنولوجية؟
سنجد ثلاثة أسباب رئيسية:

  1. المكونات الإلكترونية أصبحت المورد الحرج في المعادلة، لا المواد المتفجرة كما كان الأمر سابقًا. فمجرد نقص في الرقائق أو لوحات الدوائر الإلكترونية يمكن أن يوقف خطوط إنتاج كاملة، وهو ما خلق ارتباطًا مباشرًا بين قطاع الإلكترونيات المدني وسوق التسليح العالمي.

  2. الذكاء الاصطناعي غيّر مفهوم الدقة في الصناعة الدفاعية؛ فاليوم لا تستقبل الذخيرة إحداثيات ثابتة وتنطلق نحوها فحسب، بل تتعلم نمط الهدف وتعدّل مسارها أثناء الطيران. بمعنى آخر، نحن نتحدث عن نظام رقمي متكامل داخل كل ذخيرة واحدة.

  3. نموذج التسعير نفسه تغيّر، إذ بدأت الشركات تبيع الذخيرة الذكية بمنطق «السلاح كخدمة» (Weapon as a Service) على غرار نموذج البرمجيات SaaS المعروف، أي أن الدولة تشتري الاستخدام أو الخدمة اللوجستية، لا المنتج الكامل.

الدول التي ما زالت تبني صناعاتها الدفاعية تمتلك هنا فرصة ضخمة.
فإنتاج الذخائر الذكية لا يحتاج إلى قاعدة صناعية ثقيلة كما هو الحال في المقاتلات أو الصواريخ الباليستية، بل يتطلب نظام ابتكار متكامل يجمع بين الإلكترونيات الدقيقة، والبرمجة، والهندسة الميكانيكية.

وقد سلكت تركيا هذا المسار بالفعل، فطوّرت جيلًا كاملًا من الذخائر الذكية المحلية مثل MAM-L وMAM-T وربطتها بطائراتها المسيّرة، لتسوّقها لاحقًا كحزمة متكاملة في الخارج.

ويوجد مثال واضح هنا: عندما اشترى المغرب طائرات «أكنجي» التركية، ثم حدث خلاف سياسي بين البلدين، أعلنت تركيا أنها لن تزوّد المغرب بالذخائر الذكية، فتحوّلت تلك المسيّرات عمليًا إلى خردة حديدية في المخازن!
وهذا نموذج لاقتصاد دفاعي يفكّر بمنطق تكامل المنظومات، لا مجرد امتلاك مشروعات متفرقة تعمل كلٌّ منها في اتجاه منفصل.

أما كوريا الجنوبية، فهي مثال أعمق وأغنى على هذا المنطق...
لكن الحديث عنها يحتاج منشورًا مستقلًا، لأنها منذ عام 2006 تتعامل مع الصناعات الدفاعية بطريقة مختلفة وجديدة كليًا، وتستحق شرحًا مفصلًا.

نعود إلى موضوعنا:
لو فكّرت مصر أو أي دولة عربية في دخول سوق الذخائر الذكية بدلًا من مطاردة برامج التسليح الضخمة، فسيكون ذلك — في رأيي — قرارًا عقلانيًا في إدارة الموارد الدفاعية.
فهي تكنولوجيا أسرع في التطوير، أقل تكلفة، وأعلى جدوى تصديرية.

من المهم أن نفهم أن هذا ليس مجرد تطور تقني، بل تحول اقتصادي شامل من اقتصاد يعتمد على الحديد إلى اقتصاد يعتمد على الرقائق الإلكترونية والبرمجة.
وهذا يعني الانتقال من صناعة يُقاس وزنها بالطن إلى صناعة يُقاس وزنها بالغرام.

ومن سيفهم هذه المعادلة مبكرًا، هو من سيمتلك القوة الحقيقية في الحروب القادمة.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع