يوجد كتاب مهم جدًا بعنوان «أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري في مصر» للدكتور يزيد صايغ، وهو أستاذ سابق في دراسات الشرق الأوسط في قسم الدراسات الحربية بكلية لندن الملكية. يقول في الكتاب: «لا توجد بيانات مالية مفصلة منشورة للجمهور عن عائدات المؤسسة العسكرية وتقاريرها السنوية... الحكومات المصرية تتجنّب الإفصاح عن تفاصيل الإنفاق العسكري والإيرادات.».
الحمقى يظنون أن هذا كله خطة سرّية، بينما أطلقت شركة «المتحدة» مجموعة من صانعي المحتوى على يوتيوب وتيك توك ممن لا يفهمون أصلًا ماذا تعني الصناعات الدفاعية، وقالت لهم: «اذهبوا إلى معرض إيديكس وابرزوا صورة بلدكم». هم برزوا صورة بلدهم حقا. مشهد في منتهى العبث. الحمقى لا يريدون أن يروا أنه ليست هناك أي خطط سرّية، بل إن «الخطة السرّية الوحيدة» موجهة ضدك أنت، أيها الأحمق الغافل!
لأنهم إن تحدثوا بصراحة، فسينكشف أنهم يديرون إمبراطورية اقتصادية ضخمة تركت التصنيع العسكري جانبًا، وانشغلت بصناعات استهلاكية مثل الغسالات، والثلاجات، والبناء، والسلع الاستهلاكية، لتنافس بها الشركات الخاصة. وهكذا أصبح الضرر مضاعفًا: فلا هم لبّوا احتياجات الدولة العسكرية، ولا تركوا شركات القطاع المدني تعمل وتنتج وتربح وتنتشر في المنطقة.
من وجهة نظري الشخصية، لا أرى أن على مصر أن تتخذ تركيا نموذجًا في الصناعات الدفاعية، بل عليها أن تفكّر في كوريا الجنوبية. لماذا؟
ببساطة لأن تركيا نجحت من خلال تغيير جذري في الفكر والإدارة، أراه شبه مستحيل في مصر – على الأقل في الوقت الحالي. التغيير هناك تمثّل في خروج العسكريين من الإدارة، ودخول التكنوقراط المدنيين، وربط الصناعة مباشرة بالسياسة الخارجية.
أما في مصر، فالوضع مختلف تمامًا. الجيش لاعب اقتصادي أساسي، وهذه حقيقة لن تتغيّر قريبًا. لكن يمكننا التفكير في كيفية توظيف هذا الواقع، مثلما فعلت كوريا الجنوبية – أو ربما باكستان التي قد تكون أقرب إلى حالتنا.
فنحن لدينا إسرائيل على حدودنا، وكوريا الجنوبية لديها كوريا الشمالية على حدودها. نحن خضنا الحروب، وكوريا كذلك. طبعًا هذا تبسيط كبير يحتاج إلى تفصيل لاحق، لكن يكفي الآن لتوضيح أن ظروف تركيا ليست كظروفنا إطلاقًا. وسأترك هذا الأمر لتفصيل لاحق.
دعنا ننتقل إلى مقارنة بين الصناعات الدفاعية في مصر وكوريا. أنا لا أقول لك إنهم يصنعون كذا وكذا ونحن لا نصنعه، بل أريد أن أركّز على أهم عامل برأيي صنع الفارق بين التجربتين. لذلك سننظر إلى الفترة ما بين عام 2005 وحتى اليوم.
سنحاول فهم كيف خرجت دولة فقيرة تمامًا من الحرب الكورية لتصبح من كبار مُصدّري السلاح في العالم، بينما تظل دولة بحجم مصر وقوتها تعتمد حتى اليوم على استيراد أغلب أسلحتها، وتستخدم مصانعها العسكرية لإنتاج سلع مدنية مثل المكرونة والأجهزة الكهربائية؟
(عذرًا أيها اللجان الإلكترونية، هذا كلام الباحثين أنفسهم، وليس كلامي، ولا أسخر منكم.)
الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالكفاءة التقنية أو بعدد المهندسين، بل تكمن – في رأيي – في شكل الهيئات والإدارة والحوكمة.
وأثناء بحثي في هيكل المؤسسات المصرية المعنية بالصناعات الدفاعية، تاهت بي الطرق، فلم أعد أعرف إلى أين يؤدي كل مسار.
بنظرة سريعة على وضع البلدين تلاحظ بوضوح أن كوريا قامت بتحوّل جذري في مجال الصناعات الدفاعية، بينما ظلت مصر في نموذج عسكري اقتصادي داخلي يخدم الجيش أولًا والسوق المدني المحلي ثانيًا.
فلننظر في التفاصيل، وسيتضح ما أريد الإشارة إليه.
يمكن تلخيص نموذج كوريا في ثلاث ركائز أساسية فقط:
عقل مركزي – ماكينة بحث وتطوير – شركات خاصة.
منذ عام 2006 أنشأت كوريا الجنوبية هيئة DAPA – إدارة برنامج الاستحواذ الدفاعي (Defense Acquisition Program Administration)، وهي جهاز مدني تكنوقراطي تابع لوزارة الدفاع. تعمل هذه الهيئة بمثابة العقل المركزي لكل ما يتعلق بالصناعات الدفاعية في البلاد: تخطيط المشتريات، وتطوير المنتجات، وإدارة التصدير، وضمان الجودة. وكل أولئك من المدنيين، لا العسكريين.
وتحت مظلة DAPA يوجد جهاز آخر يُدعى ADD – وكالة تطوير الدفاع (Agency for Defense Development)، وهو الجهاز المتخصص في البحث والتطوير طويل الأجل (R&D). هذا الجهاز يربط الجيش بالجامعات والشركات الخاصة عبر مشاريع تُعرف في الاقتصاد باسم المشروعات الموجهة نحو مهمة محددة (Mission-Oriented Projects)، ومن ضمنها تطوير الصواريخ، والرادارات، والذخائر الذكية.
كوريا باختصار نظرت إلى الدفاع كمشروع تكنولوجي تصديري بالدرجة الأولى، لا كصندوق سري داخلي للجيش. الشركات الخاصة الكبرى مثل Hanwha وLIG Nex1 وKAI هي الأذرع التنفيذية لهذا المشروع الكوري. شركات مدرجة في البورصة، تصدّر دبابات ومدفعية وأنظمة توجيه متقدمة، وتربط ابتكاراتها العسكرية بالسوق المدني، ما يولد ما يُعرف بـ الارتداد التكنولوجي (Spin-off Technology)، أي أن الدولة تربح مرتين: مرة من استخدام التكنولوجيا في المجال العسكري، ومرة أخرى عند تطبيقها في القطاعات المدنية.
بهذا النموذج بلغت صادرات السلاح الكورية 14 مليار دولار عام 2023، وأصبحت كوريا ضمن أكبر عشرة مصدّرين للسلاح عالميًا، بعقود ضخمة مع بولندا ودول في آسيا وأمريكا اللاتينية.
كل ذلك تحقق grâce إلى مركزية القرار والمؤسسات، ووجود شركات خاصة، وقيادات مدنية.
أما إذا نظرنا إلى مصر، فسنجد الصورة معكوسة تمامًا. هناك تعدّد في الهيئات، واقتصاد عسكري متغلغل في القطاعات المدنية، بخلاف كوريا التي تملك اقتصادًا مدنيًا يخترق القطاعات العسكرية. وبالطبع، يغيب دور الشركات الخاصة.
منذ عام 2005 وحتى اليوم، الصناعة الدفاعية المصرية مترامية وغير مركزية، موزّعة بين وزارة الإنتاج الحربي (الهيئة القومية للإنتاج الحربي)، والهيئة العربية للتصنيع (AOI)، وهيئة التسليح في وزارة الدفاع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية. جميعها جهات عسكرية أو شبه عسكرية، ولا توجد هيئة مدنية موحدة مثل DAPA تربط الإنتاج بالتصدير أو تدير مشاريع البحث والتطوير بشكل مركزي.
وربما – كما يقول البعض – يكون ذلك مخفيًا «لكي نفاجئ العدو»
في مصر، الاقتصاد العسكري تمدّد بقوة داخل السوق المدني. قبل عام 2011، نحو 40% من إنتاج وزارة الإنتاج الحربي و70% من إنتاج الهيئة العربية للتصنيع كان مدنيًا! تخيّل الرقم! نحن نتحدث هنا عن الأجهزة الكهربائية ومعدات البناء. وذلك الرقم ازداد لاحقًا. بعد عام 2013 دخل الجيش قطاعات جديدة كالأغذية والبنية التحتية والمقاولات. وطبعًا، لم يعودوا يتحدثون عن نسبة الإنتاج المدني إلى العسكري، حتى لا نسمع أصواتًا تخرج عن البوق الرسمي.
في مصر توجد إمبراطورية اقتصادية للجيش، ولكنها في الأساس إمبراطورية صناعات مدنية.
وفي الوقت نفسه، لا يُسمح للقطاع الخاص المدني بالدخول في التصنيع العسكري.
القطاع الخاص مقصي فعليًا. لا توجد شراكات حقيقية، ولا إطار واضح يتيح له دخول سلاسل الإمداد الدفاعي، والصادرات العسكرية متواضعة جدًا – نحو 40 مليون دولار سنويًا بحسب تقديرات مركز SIPRI، مقارنةً بالواردات الضخمة.
الرقم مخجل فعلًا. كوريا بلغت 14 مليار دولار، وتركيا نحو 7 مليارات دولار. والله لولا احترامي لكم لقلت كلامًا لا يليق ولا ينبغي قوله!
أما تنويع مصادر التسليح (رافال، ميغ، وصفقات محتملة مع الصين أو تركيا) فقد حدث فقط على مستوى المشتريات، لا على مستوى هيكل الحوكمة والإدارة. ما زال التركيز داخليًا، والطاقة الصناعية العسكرية موجّهة نحو سوق مدني محلي ضعيف القيمة المضافة، لا نحو الابتكار أو التصدير العالمي.
المشكلة، إذًا، ليست في النوايا، ولا نحاسب أحدًا عليها، بل في الإدارة والحوكمة. نحن نتحدث بالأرقام والمنطق لا بالعواطف. المشكلة ليست في عدد المهندسين، ولا في الكفاءة البشرية، ولا في الوطنية، ولا في حسن النية. كل ذلك موجود. المشكلة تكمن في شكل الإدارة، والحوكمة، وتوزيع الأدوار بين الجيش، والدولة، والقطاع الخاص.
والفارق الذي لا يريد أحد التطرّق إليه هو شفافية الهيكل الصناعي نفسه.
كوريا فتحت أبوابها للعالم لتبني صناعة حقيقية، بينما أغلقتها مصر لأن الإرادة غير موجودة أصلاً.
مع أنه في ذلك فرصة ربح ضخمة، ولكن لتحقيقها يجب التخلي عن مصالح بعض المستفيدين من الوضع القائم في صناعة الأجهزة المنزلية والمكرونة وغيرها من القطاعات المدنية.
فهل ستختارون مصالح الأفراد أم مصالح الدولة والأمن القومي؟
أنتم في وزارة الدفاع تعرفون جيدًا أن الصناعات الدفاعية ليست مجرد «مصانع سلاح»، بل منظومة إدارية وهيكل مؤسسي يحددان إن كنتَ ستكون دولة مصدّرة للتكنولوجيا أم مستهلكة للأسلحة ومنتجة لسلع مدنية زهيدة القيمة.
وهذا قرار سياسي مرتبط بالحوكمة، وليس بالميزانية، ولا بفكرة أننا «فقراء جدًا».
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع